الفرق بين التكنولوجيا الحيوية في كلية العلوم وكلية الزراعة، البيوتكنولوجي بكليات العلوم أم كليات الزراعة، الفروق الأكاديمية والتطبيقية بين دراسة التقنيات الحيوية في كلية العلوم وكلية الزراعة.
الإجابة الكاملة: الفرق بين دراسة «التكنولوجيا الحيوية - Biotechnology» في كلية العلوم وكلية الزراعة

• الإجابة الكاملة: الفرق بين دراسة «التكنولوجيا الحيوية - Biotechnology» في كلية العلوم وكلية الزراعة

أولًا يجب العلم أن هذا المقال جاء بناءًا على الطلبات المتكررة من قِبل مُتابعينا، فالكثير منهم أرسلوا إلينا العديد من الأسئلة بخصوص الفرق بين دراسة التكنولوجيا الحيوية في كليات العلوم وكليات الزراعة، وحاولنا دائمًا الإجابة بشكل موضوعي وحيادي منعًا للجدل وفي أغلب الأحيان تركنا الأمر للسائل حتى يعرف بنفسه الفروق رغبة منا في تشجيع الطلاب على البحث والإطلاع، ولكن مع تزايد أعداد الدارسين للمجال أصبح من الواجب علينا طرح السؤال مرة أخرى على أنفسنا ووضع الإجابة الكاملة بين أيدي القارئ. ذلك في إطار مُبادرة منصة «مُهندسو التكنولوجيا الحيوية المصريون - The Egyptian Biotechnologists» للتوعية الأكاديمية والمهنية عن المجال. لذلك نحب أن ننوه أنه ربما يطول هذا المقال بعض الشيء ولكن أحرص عزيزي القارئ على إكماله حتى النهاية حتى تتمكن من فهم كافة أبعاد الموضوع لأنه يشمل العديد من المصطلحات الأكاديمية التي تحتاج للشرح والتفصيل.

لماذا لا تنفصل برامج التكنولوجيا الحيوية لتُصبح كليات مُستقلة؟

• أولًا: الفروق الأكاديمية بين الدراسات التطبيقية والدراسات النظرية البحتة

النقطة الأساسية التي تسببت في العديد من المشكلات ومواضع الجدل، أن الطلاب لم يكن بمقدورهم أن يُفرقوا بين الدراسات التطبيقية والدراسات النظرية، وتلك المصطلحات لا صلة لها بما هو معروف بالكليات الأدبية والكليات العلمية، فهي مصطلحات أكاديمية لها مدلول آخر ويتأثر به دارسي تلك الكليات حتى ولو لم يفهموه أو يعلموا عنه شيئًا، فيكون كل طالب درس في كلية مُعينة مُبرمج في عقله اللاواعي بشكل تلقائي على ذلك المفهوم الذي لقنته إياه دراسته دون وعيٌ منه. لذا دعونا نوضح في هذا الجزء الهام نوضح الفروق الأكاديمية بين الدراسات التطبيقية والنظرية والتي ستُمهد لنا فِهم الفرق بين دراسة التكنولوجيا الحيوية في كليات الزراعة وكليات العلوم.

لماذا لا تتواجد التكنولوجيا الحيوية في كليات الطب والصيدلة؟

• الكليات العلمية والدراسات النظرية:

ربما يأتي أحدهم ويسئلني كيف تكون كلية علمية ونظرية بنفس الوقت؟ الفكرة هنا أن مُصطلح نظرية والذي يعني باللغة الأنجليزية «Theoretical» هو مُصطلح يشير إلى دراسة العلوم البحتة، أيًا كانت تلك العلوم علمية أو أدبية، يدرسها الطالب بغرض البحث العلمي والدراسات البحثية. بالتالي أي كلية علمية تهتم بالجانب النظري فهي كلية غرضها الأساسي تخريج كوادر تعمل في مجال الدراسات والبحوث، وكلمة «بحث علمي» هو مُصطلح يُشير إلى الجهود التي ترمي إلى الوصول لتفسير ظاهرة ما (طبيعية، بيولوجية، تاريخية، جيولوجية...إلخ) أو حل مشكلة بحثية بغرض توفير حلول أكثر فعالية وكل ذلك احتكامًا إلى المنهج العلمي في طريقة حل المشكلات أو تفسير الظواهر. لذلك فإن تلك الكليات العلمية النظرية تُناقش العلوم في صورتها البحتة للبحث فيها وتناول ظواهرها والإجابة عن الأسئلة المطروحة فيها، وذلك بعيدًا عن أي نوع من أنواع الدمج بين العلوم والنقاط البحثية المختلفة، فحتى يتناول الباحث نقطته البحثية يجب أن تكون نقطة بحثية نقية أحادية الأتجاه العلمي النظري. إذًا فبعد أن فهمنا ما هي الكليات العلمية النظرية، من المنطقي الأن أن نفهم أن تلك الكليات تعمل على تخريج كوادرها ليشغلوا مُختلف المهام والوظائف البحثية في مراكز الدراسات والبحوث والجامعات. بالتالي يكون خريجي تلك الكليات بعيدين تمامًا من حيث الدراسة الأكايمية عن مجالات سوق العمل في المصانع والشركات تحديدًا عن عمليات التصنيع، لذلك يكون خريجي تلك الكليات أبعد ما يكون دراسيًا وفكريًا عن فلسفة السوق والتطبيق على أرض الواقع.

• الكليات العلمية والدراسات التطبيقية:

بعد أن فهمنا ماهية الكليات العلمية ذات الدراسات النظرية، ننتقل الأن لفِهم الكليات العلمية ذات الدراسات التطبيقية، وهو نوع الكليات الأكثر شيوعًا وذلك بسبب احتياج المجتمع المباشر لخريجي تلك الكليات بأعداد كبيرة حتى يشغلوا مُختلف أنواع الوظائف والمهام في سوق العمل تلبية لأحتياج الشعوب لأنواع المنتجات والخدمات في كل القطاعات الطبية والزراعية والغذائية والبيئية وغيرهم. ذلك لأن الكليات التطبيقية تهدف بشكل أساسي لخدمة المجتمع، بمعنى أن طلابها يدرسون فيها لشغل أحد الوظائف في مُختلف المرافق والمشاريع. فترى العلوم التي كان يتم تدريسها بشكل بحت في الكليات النظرية، أصبحت متواجدة في الكليات التطبيقية بما يُلائم تحقيق الهدف منها سواء لتقديم خدمة أو لأنتاج مُنتج. هنا تجد أن الكليات التطبيقية لا يتم تدريس العلوم فيها بشكل نقي، حيث تتداخل وتندمج وتتكامل مع بعضها بمقادير مُعينة ومحسوبة طِبقا لحاجة كل دراسة تطبيقية فمثلًا علم الصيدلة يدرسون فيه مقدار معين من علوم الكيمياء والنبات والأحياء الدقيقة وكل العلوم التي يحتاجونها في ممارسة مهامهم كصيادلة مُستقبليين، ولكن الخريج بالرغم من دراسته لمُختلف تلك العلوم إلا أنه ليس مُتخصصًا في أحدٍ منها، ذلك لأنه مُتخصص في مجال تطبيقي وهو مجال الصيدلة الذي يجمع كل تلك العلوم تحت مظلة واحدة بهدف واحد وهو انتاج الدواء.

بالتالي نفهم من ذلك أن هناك فرقًا واضحًا بين الكليات النظرية والكليات التطبيقية. والكليات النظرية في المجال العلمي بمصر هي كلية العلوم فقط، التي تدرس جميع العلوم العلمية الأساسية بشكل بحت ونقي كما ذكرنا بهدف إجراء البحوث والدراسات وذلك طِبقًا لطبيعتها ككلية علمية نظرية. أما الكليات التطبيقية في المجال العلمي هم بقية الكليات مثل كلية الطب والزراعة والهندسة والصيدلة والأسنان والعلاج الطبيعي والثروة السمكية والتمريض وحاسبات ومعلومات، كل تلك الكليات هي كليات تطبيقية بالتالي كما فهمت سابقًا أنها بطبيعتها ستجمع بين مُختلف أنواع العلوم بغرض تحقيق هدفها الرئيسي في تقديم الخدمة المنوط القيام بها أو المنتج التي تستهدف تحقيقه من خلال خريجيها. بالتالي نُدرك أن مُهمة البحث العلمي تقع بشكل أساسي على خريجي كليات العلوم بمراكز الدراسات والأبحاث وليس التدخل في سوق العمل المباشر عكس ما هو مطلوب من الكليات التطبيقية.

يجب أن نُنوه هنا أننا نتحدث عن الحالة القياسية لكل الكليات، فليس معنى كلامنا أن الخريج محصور في الاتجاه الذي تفرضه عليه كليته، وأنما نتحدث عن طبيعة الكلية وحسب التي تجعل خريجيها مُؤهلين لمجموعة من المهام دون الأخرى. والتي بلا شك يُمكن أن يتجاوزها الخريج عن طريق تعديل مساره بعد التخرج وإمداد نفسه بما يحتاج من مهارات لاستكمال المسار الذي اختاره. فنرى باحثون نظريون من مُختلف الكليات حتى التطبيقية، ونرى رواد أعمال تطبيقيون من مُختلف الكليات حتى النظرية، فهذا كان مسار بناء على الاختيار الشخصي وما يترتب عليه من خطوات حتى يُحققوا أهدافهم.

• بداية ظهور الأزمة مع دخول مجال التكنولوجيا الحيوية في مرحلة البكالوريوس:

حتى الأن فالمعلومات في غاية السلاسة، فما هي المشكلة إذًا؟ المشكلة بدأت مع ظهور مجال التكنولوجيا الحيوية بمصر ودخوله في مرحلة البكالوريوس، فطبيعة دراسة التكنولوجيا الحيوية طبيعة تطبيقية، أي أن الهدف منه هو الدخول في سوق العمل بمُختلف القطاعات. لذلك من خلال قرأتك للمقال دعنا نسأل، أي الكليات يجب أن تشمل التكنولوجيا الحيوية؟ أعتقد أن إجابتك هي الكليات التطبيقية بالطبع، بسبب توافق طبيعة دراستهما. إلا أن التكنولوجيا الحيوية عندما تم تدريسها في مصر دخلت في كليات العلوم (النظرية) وكليات الزراعة (التطبيقية). فحصل الخلط أو التشتت بين طبيعة دراسة المجال في كل كلية منهم!، فهل دراسة التكنولوجيا الحيوية في كليات العلوم مثل كليات الزراعة؟ الإجابة هي أنه من المفترض أن تكون هناك فروق طِبقًا لأختلاف طبيعة كل كلية نظرية وتطبيقية، وبلا شك هذا الاختلاف متواجد بصورة أو بأخرى بأختلاف نسب تأثيره، وذكري له من شأنه أن يعمل على توعية الدارس بالمعلومات التي من شأنها التأثير على وعيه دون إدراكه، حتى يتخذ مستقبلًا القرارات المناسبة مع حالته الشخصية والتي ستكون قرارات أصوب في حال إدراك موقفه بدقة.

الفكرة بأكملها منعًا للتشتت، أن التكنولوجيا الحيوية كأي مجال تطبيقي لها جانب نظري بحثي، ولكن بسبب طبيعة المجال التي تضم عشرات العلوم وفروع الهندسة والمعلوماتية، كيف سيتم البحث العلمي في التكنولوجيا الحيوية بشكل بحت ونقي كما ذكرنا في الدراسات النظرية؟ هنا يظهر مُصطلح «Multidisciplinary Scientific Research» أي بحث علمي متعدد الأتجاهات، وإذا طبقنا هذا المصطلح على مجال التكنولوجيا الحيوية أصبح هو البحث العلمي المَعني بدمج أكثر من نقطة بحثية ذات صلة بالنظام الحيوي من أجل استحداث نقاط بحثية لا تنتمي إلا لمجال التكنولوجيا الحيوية ككل بغرض الاستفادة منها في تقديم الخدمات وانتاج المنتجات. حتى أقوم بالتبسيط بعض الشيء، دعوني أطرح هذا المثال، لو أنك متخصص في الكيمياء ستقوم بعمل بحثي في الكيمياء، ولو أنك مُتخصص في الأحياء ستقوم بعمل بحثي في الأحياء، وهكذا بأختلاف العلوم، أما لو كنت درست كل تلك العلوم وتخصصت فيها معًأ وترغب بعمل بحثي، ستقوم بالبحث في نقطة بحثية تمسهم كلهم باستخدام تقنية حيوية، وتحديدًا هذه هي مهمة مهندس التكنولوجيا الحيوية إذا أراد أن يقوم بعمل بحث علمي في المجال، فلن يُعتبر ذلك البحث في التكنولوجيا الحيوية إلا إذا حقق تلك المعادلة.

برنامج التكنولوجيا الحيوية في كليات العلوم والزراعة

في ضوء تلك المُعادلة نفهم أخيرًا أن دراسة التكنولوجيا الحيوية في كليات العلوم تهدف بشكل أساسي لتحقيق هذه النقطة، حيث أنها تُؤهل دارسي التكنولوجيا الحيوية فيها إلى الخروج كباحثين في المجال عن طريق تطبيق التعريف الذي ذكرناه فيما يخص البحث العلمي متعدد الاتجاهات، وهذا تحديدًا ما يجب أن يفعله خريجي التكنولوجيا الحيوية من كليات العلوم. أما مُتخصصي التكنولوجيا الحيوية من كليات الزراعة فهم معنيون بالجانب الآخر للمجال وهو التطبيقي بما يشمله من مفاهيم تخص السوق وعمليات التصنيع، بمعنى أنه كما فعل مُتخصصي التكنولوجيا الحيوية في البحث العلمي، يجب أن يقوم مُتخصصي التكنولوجيا الحيوية التطبيقيون والذي من المفترض أن يؤهلهم لذلك دراستهم التطبيقية في كليات الزراعة بعمل ما يُسمى بـ «Multidisciplinary Scientific Entrepreneurship» وهو مُصطلح يُطبق مفاهيم التكنولوجيا الحيوية من خلال مشاريع ريادية علمية متعددة الاتجاهات والتي يُطلق عليها أيضًا «biotechnology startups».

ولا ينبغي لأحد أن يقصر كلامي على وجهة نظر ضيقة تقول أنه لا يجب لخريجي المجال من كليات العلوم أن يكونوا رواد أعمال ولا ينبغي لخريجي المجال من كليات الزراعة أن يكونوا باحثين، فليس ذلك القصد من وراء تلك الكلمات، وانما هو الأطار القياسي لكل كلية منهم والقاعدة التي أُنشئت على أساسها ككيان أكاديمي له أهداف معينة من أجل خدمة المجتمع فهذه أولوية كل كلية. بالتالي فإن القواعد التي تنطبق على الكيان الذي درست به ليست بالضرورة مُنطبقة على مَنْ يدرس فيها، فالطالب والخريج لهم حرية الأختيار في تعديل مسارهم المهني والأكاديمي كما يتراءى لهم ذلك بالشكل الأنسب لكل منهم، ونستفيد من ذلك التوضيح الوعي الأكاديمي المنشود الذي سنبني عليه قرارات مصيرية تُلائم الحالة التي سننطلق منها نحو مستقبلنا لإدراك نقاط القوة والضعف لدينا، فرغم أن الطالب قد يتخرج وهو مُؤهل لشيء دون الآخر، فمع علمه بما هو مُؤهل له وبما ليس مُؤهل له، سيسعى لأتخاذ قرارات من شأنها تعويض الجوانب التي تنقصه سواء باستكمال دراساته أو بأكتساب خبرات أضافية في اتجاه معين. ومع طول الحديث يجب أن نُنوه لضرورة العلم أن الجميع في الأساس جاء ليُكمل الآخر ولا تعارض بين طريق كل منهم ولا حتى مُنافسة، وإن كانت هناك منافسة فهذا أمر يُشجع كل طرف على تطوير نفسه ولا يُشكل أفضلية لأحدهم على الآخر.

صراع الجامعات المصرية على التكنولوجيا الحيوية