لماذا لا تنفصل برامج التكنولوجيا الحيوية لتُصبح كليات مُستقلة؟ تكنولوجيا حيوية، تقنية حيوية، بيوتكنولوجي، مصر جامعات مصرية، علوم حيوية، كلية العلوم، كلية الزراعة، جامعة عين شمس، جامعة القاهرة.
لماذا لا تنفصل برامج التكنولوجيا الحيوية لتُصبح كليات مُستقلة؟

• لماذا لا تنفصل برامج التكنولوجيا الحيوية لتُصبح كليات مُستقلة؟

قبل كل شيء دعونا نوضح أمرًا هامًا بخصوص معايير تقييم أي كيان أكاديمي، حيث أن الكيانات الأكاديمية يتم تقييمها بناء على عدة معايير منها على سبيل المِثال لا الحصر، جودة العملية التعليمية وكم الأبحاث العلمية التي يتم نشرها دوليًا بشكل سنوي على أن يكون مُعامل تأثيرها مُرتفعًا بالنسبة للمجال، ومدى ثراء الكيان الأكاديمي بالكوادر والخبرات والتخصصات المختلفة والدقيقة والتي تقود عمليتي البحث والتعليم وتزيد من منحنى تطورهم مع الزمن. بالتالي فحتى نتحدث عن أمكانية انشاء كيان أكاديمي جديد ككلية مثلًا أو جامعة، فعلينا أن نأخذ بعين الاعتبار نقطتين في غاية الأهمية، النقطة الأولى أنه لكي يتم تأسيس كيان أكاديمي جديد يجب أن يتوفر حد أدنى من الكوادر المُتمثلة في اعضاء هيئة التدريس والباحثين وغيرهم ممن يقوموا على أساسيات العملية التعليمية في مرحلة البكالوريوس، النقطة الثانية أنه مهما بلغت كفاءة تلك الكوادر لا يُمكن أن نعتبرها مُماثلة لهيئة تدريس قارب عمرها في أحد الجامعات على المئة عام، ذلك أن تراكم الخبرات حتى مع وفاة الأساتذة الكبار له أثر كبير على الأجيال التي تليهم حيث أنهم قد تعلموا منهم وتوارثوا عنهم الكثير مما يجعلهم أكثر كفاءة نتيجة لمرور الزمن عليهم وتراكم المعرفة المتنوعة والخبرات البشرية الهائلة.

• موضوع ذا صلة: دراسة «التكنولوجيا الحيوية - Biotechnology» في مصر

لذا دعونا نرجع لعنوان مقالنا، لماذا لا تنفصل برامج التكنولوجيا الحيوية لتُصبح كليات مُستقلة؟ وهنا أعتقد أنه قد اتضح لديكم سبب تلك المُقدمة. دعونا نُلقي نظرة على كليات التكنولوجيا الحيوية في الجامعات الخاصة التي تم بالفعل انشائها خصيصًا لدراسة المجال، ودعونا نتعمق بالنظر إلى هيئة تدريسها التي بالرغم من كفاءتها إلا أنهم قد تم تعينهم من أساتذة الجامعات والمراكز الحكومية، وبالرغم من الأماكنيات الهائلة لدى الجامعة الخاصة إلا إنها تفتقر إلى التنوع في الكوادر والخبرات المتواجد في جامعات القطاع العام، لذلك دائمًا ما يستعينون بالأساتذة المُتخصصين في مختلف الجامعات والمراكز المصرية. بلا شك لا يُعد ذلك عيبًا بسبب حداثة تلك الكليات ومن المؤكد أن المستقبل سيحمل الكثير لتلك الكيانات تحديدًا فيما يخص بناء الكوادر التعليمية والبحثية، كل ذلك سيأتي مع الوقت ولكن أيضًا لا يجب أن ننسى أنه سيستغرق الكثير من الوقت.

هنا أعتقد أن إجابة السؤال قد اتضحت، لأن برامج التكنولوجيا الحيوية في كليات العلوم والزراعة إذا انفصلت لتُصبح كليات مستقلة فسيتم انتزاع تلك الميزة الفريدة منها، وهي تراكم الخبرات التي تسمح لدارسي المجال بتلك البرامج التعمق أكثر من النواحي الأكاديمية والبحثية، لأن ما يجعل دراسة التكنولوجيا الحيوية دراسة فعالة هو أن تقوم أقسام أكاديمية مختلفة على تدريس المجال، لأن مجال التكنولوجيا الحيوية بالأساس قائم على دمج التخصصات والعلوم ببعض، بمعنى أنه لو لدينا قسم كيمياء وقسم نبات وقسم حيوان وقسم أحياء دقيقة كما هو متواجد في كلية العلوم، جميع تلك الأقسام تتعاون معًا لتدريس مجال التكنولوجيا الحيوية، وكل قسم يُساهم بكوادره وأساتذته ومعامله، لذلك تخيل معي كم الخبرة التي سيكتسبها الطالب نتيجة تنوع العقول التي تُشرف على تدريس المجال له، فتنوع التخصصات بالإضافة إلى أساتذة من مُختلف التخصصات وكلاهما في العلوم الحيوية بشكل مُباشر سيُساوي مجال التكنولوجيا الحيوية فضلًا عن تدخل أساتذة من تخصصات تكنولوجية ومعلوماتية أخرى. أما إذا كان لدينا قسم وراثة وقسم كيمياء حيوية وقسم أحياء دقيقة وقسم نبات وقسم حيوات كما هو متواجد في كليات الزراعة فأيضًا على نفس النَسَق ستتحد تلك الأقسام وتضع لائحة المُقررات معًا لتتعاون على تدريس المجال بكل كوادرها ومعاملها وتكون نتيجة تلك الملحمة هو برنامج التكنولوجيا الحيوية.

وحتى نفهم أهمية الأقسام الأكاديمية وتواجدها بالقرب من مجال التكنولوجيا الحيوية دعونا نوضح ما هو القسم؟ باختصار فإن القسم هو عبارة عن مجموعة من المُتخصصين في علم ما، يرئسهم هيكيليًا وإداريًا رئيس القسم، ويلي رئيس القسم كل مَن يحمل الأستاذية أي أنه «أستاذ دكتور» وطبعًا يكون هناك العشرات من الأساتذة والأستاذ يعتبر صاحب اتجاه او تخصص دقيق بداخل ذلك العلم، بمعنى أن كل أستاذ أشبه بمدرسة في حد ذاته وكلما زاد عدد الأساتذة كلما زادت عدد المدارس وتنوعت، وما يُثير اعجابك بهذا النظام الأكاديمي المُحكم أن كل أستاذ يكون تحت العشرات من الأساتذة المُساعدين الذي يُعد بدوره مشروع أستاذ بالتالي فهو في تخصص على نفس مستوى دقة الأستاذ أو أدق وتحت الأساتذة المُساعدين مجموعة من أعضاء هيئة التدريس بين مُعيدين ومُدرسين ومُدرسين مُساعدين وباحثين، تخيل كل تلك الموارد البشرية تتشارك في تدريس المجال لك سواء تعاملت معها بشكل مباشر أو لا، لأنك لا تعلم كل ما يدور في الكواليس، فتدريس المادة العلمية لا ينفرد بها شخص واحد حتى لو ظهر لك في الصورة واحد فقط. وهذا تحديدًا ما تفتقده كليات التكنولوجيا الحيوية، وسيلزمها الكثير من الوقت والجُهد لبناء هذه الشجرة الأكاديمية التي من شأنها دفع العملية التعليمية للإمام، فكليات التكنولوجيا الحيوية لا تحتوي على أقسام، ولك أن تتخيل عزيزي القارئ أن كل أستاذ له أن يمنحك درجة علمية في تخصص مختلف عن الأستاذ الآخر، بالتالي أعتقد أنك فهمت الأن سبب عدم ترجيح فصل برامج التكنولوجيا الحيوية عن كلياتها، لأنك بذلك ستقطع الفرع من الأصل مما سيؤثر بلا شك على كم المعرفة الذي يتم بثه بين صفوف البرنامج ودارسيه.

طبعًا هناك العديد من الطلاب الذين يعتقدون أن كليات التكنولوجيا الحيوية بها أقسام مثل التكنولوجيا الحيوية الطبية والصيدلانية وما نحو ذلك، وهذا خطأ شائع ناتج عن عاملين أولهم التسويق المُبالغ فيه للكليات من قِبل إدارة الجامعة، وثانيهم عدم الإطلاع الكافي من قِبل الطلاب قبل انخراطهم في الدراسة. والرد على ذلك الإدعاء أنه حتى تقول أن هناك قسم في كلية ما فيجب أن تكون درجتك العلمية في هذا الاختصاص الذي يوفره القسم، لذلك هل تتخرج ومعك بكالورويوس تكنولوجيا حيوية طبية مثلًا؟ بالطبع لا، لأنه لا يوجد قسم بذلك التخصص، وتتخرج فقط بتخصص الكلية بكالورويوس تكنولوجيا حيوية وفقط. غير أن التكنولوجيا الحيوية الطبية أو الزراعية أو الصيدلانية ليست فروع علمية بالأساس، يعني هي ليست علمًا ليتم تدريسها بشكل مُستقل، وانما هي مُصطلحات تجمع في مضمونها مجموع التقنيات الحيوية المُطبقة في قِطاع ما من قطاعات الحياة كالقطاع الطبي أو الزراعي أو الصناعي. أما الأفرع العلمية في مجال التكنولوجيا الحيوية هي مُختلف المجالات العلمية الأساسية والفرعية المُستخدمة في فِهم الحياة وهندسة التكنولوجيا كالكيمياء الحيوية وعلم الوراثة والأحياء الدقيقة وغيرهم.

• موضوع ذا صلة: دليل كليات وبرامج وأقسام التكنولوجيا الحيوية في مصر

بالتالي يتخرج دارسي كليات التكنولوجيا الحيوية دون المرور على الأقسام، وبالرغم من محاولة إدارة الكلية تعويض تلك المسئلة عن طريق تنويع تخصصات الأساتذة إلا أن ذلك ليس كافيًا كما ذكرنا، لأن تواجد أستاذ من قسم ليس مُماثلًا لوجود قسم كامل. وهذا ليس عيبًا في كليات التكنولوجيا الحيوية لأنه بالأخير تتكامل جميع الجهات الأكاديمية معًا لتعويض نقاط ضعفها لأنه لا يوجد نظام تعليمي خالي من الأخطاء أو نقاط الضعف. لذلك فإن تواجد أقسام أكاديمية يدعم بشكل كبير تدريس مجال التكنولوجيا الحيوية مما يجعل دراسة المجال في برامج التكنولوجيا الحيوية بكليات العلوم والزراعة أكثر فاعلية نسبيًا من الناحية الأكاديمية بالرغم من ضعف الإمكانات المتاحة، وفي واقع الأمر أرى أن عمل أقسام أكاديمية في كليات التكنولوجيا الحيوية ستكون إضافة كبيرة لتلك الكليات، المشكلة أن وقتها لن يكون مُناسبًا أن تبقى تسميتها تكنولوجيا حيوية وانما علوم حيوية وهذا متواجد في العديد من الدول. أخيرًا، فإن تحويل البرامج لكليات منفصلة ليس في مصلحة الدراسة، لأنك لو انفصلت عن الأقسام الأكاديمية التي تقوم بتدريس العلوم المختلفة لك ستنقطع عن الكوادر المتنوعة التي هي أساس النظام الأكاديمي، الفكرة ليست معامل أو مدرجات، كل ذلك من الممكن أن يتوفر دون الحاجة لفصل البرنامج، العديد من الكليات الأن لها أكثر من فرع لتلبية الحاجة المتزايدة على المدرجات والمعامل ولم يقوموا بعمل كلية منفصلة لكل قسم.