هجرة العلميين من العلوم النظرية إلى المجالات التطبيقية، دارسي كليات العلوم والزراعة والفرق بين دراسة البيوتكنولوجي في كل كلية، التكنولوجيا الحيوية النظرية والتطبيقية والفروق الأكاديمية.
هجرة العلميين من العلوم النظرية إلى المجالات التطبيقية

• هجرة العلميين من العلوم النظرية إلى المجالات التطبيقية

تحدثنا في المقال الأخير عن أن كلية العلوم هي كلية تدرس العلوم الأساسية على النهج النظري البحت بغرض إجراء الدراسات والبحوث العلمية، بمعنى أن الكلية تهتم بشكل أساسي وبهدف رئيسي بالبحث العلمي وهذا هو ما يُميز كلية العلوم عن أي كلية علمية أخرى بمصر، لأن بقية الكليات العلمية تسير على النهج التطبيقي بالتالي فإن تركيزها الأساسي يكون على تقديم الخدمات وانتاج المنتجات وكل كلية في مجالها. بالتالي فإن تلك الكليات لا تَعتبر مهمة البحث العلمي مهمة رئيسية بالنسبة لها، مع أن خريجيها قد يقوموا بالبحث العلمي كرغبة واتجاه شخصي منهم. غير أن البحث على يد خريجي كليات العلوم هو ما يُمهد الطريق لتطوير كافة الخدمات التي يُقدمها كل دارسي المجالات التطبيقية كالطب والصيدلة. ووجه الأختلاف بين بحث علمي نظري وبحث علمي تطبيقي هو نفسه الأختلاف بين العلوم النظرية والتطبيقية، حيث أن البحوث النظرية هي الهدف الرئيسي لخريجي العلوم وتتركز بشكل مباشر على البحث في نقاط علمية بحتة ونقية دون الدمج بينها وبين أي نقاط أخرى، فلو أن أحد المتخصصين في الأحياء قرر أن يقوم ببحث ستجد تخصصه دقيق جدًا لدرجة انه قد يصل في دقته لمناقشة ظاهرة تحدث على المستوى الجُزيئي أو حتى لا نلاحظها بالعين المُجردة إلا بمرور ملايين السنيين كظاهرة تطور الأحياء. أما البحث العلمي التطبيقي ستجد أنه مختلف عن البحث في العلوم النظرية من حيث أمكانية تطبيقه بشكل مباشر على خدمة أو منتج ما، نظرًا لأنه جاء في الأساس لهذا الهدف على يد المتخصص في أحد المجالات التطبيقية كخريجي كليات الطب والصيدلة والزراعة والأسنان والعلاج الطبيعي وما نحو ذلك.

• موضوع ذا صلة: دراسة «التكنولوجيا الحيوية - Biotechnology» في مصر

لكن دعونا نفهم طبيعة الأزمة التي يُعاني منها خريجين كلية العلوم في مصر، حيث ان البُنية التحتية لدينا تحتاج لمزيد من التطوير، ليس ذلك وحسب وانما تحتاج للتضخيم أيضًا وذلك لاستيعاب أعداد الباحثين المُحتملين الذين يتخرجون سنويًا من كلية العلوم، فهناك آلاف منهم كل عام يستلم شهادة تخرجه ويجد فرص ضئيلة وشحيحة في البحث العلمي بالتالي لا يجد الواحد منهم لنفسه في مجتمع البحث العلمي المصري مكان. تلك أزمة حقيقة ليست الدولة وحسب هي المسئولة عنها، فدول العالم المُتقدم لو نظرت فيها ستجد أن مَن يقود البحث فيها هم شركات عملاقة يمتلكها رجال الأعمال في مُختلف المجالات وينفقون سنويًا مليارات على البحث والتطوير، فأين رجال الأعمال المصريين والعرب من كل ذلك؟ فلستُ أرى إلا السعي الحثيث وراء الأرباح السريعة نظرًا لأن البحث العلمي يستغرق الكثير من الوقت، فما المانع لو استغرق بعض الوقت مقابل أن نكون من دول العالم المتقدم التي تمتلك التكنولوجيا الخاصة بها. طبعًا يتسبب كل ذلك بما أحب أن أدعوه بهجرة العقول، بمعنى أن الخريج يهاجر أو يسافر بسبب عدم وجود فرص في البحث العلمي التي هي مجال اختصاصه، فبدلًا من أن يكون باحثًا على أرض الوطن يتوجه لأحد الدول التي تستوعبه وتدعم عمله البحثي. غير أن هناك نوع آخر من الهجرة تحدث ولكن تكون هجرة من المفهوم النظري للعلوم للمفهوم التطبيقي.

فكما تحدثنا، فإن كليات العلوم تعتبر قلعة العلوم النظرية والبحوث العلمية ذات المفهوم النظري، أما الكليات التطبيقية فهي المعنية بالمشاريع وتنمية المجتمع وإمداده بكل ما يحتاج من خدمات، بالتالي فإن طلب المجتمع يكون على خريجي الكليات التطبيقية أكثر، كما أن طالب تلك النوعية من الدراسة احتكاكه بالسوق منذ مراحله الأولى أكبر حتى يتحصل على الخبرة التي ستوفر عليه الكثير بعد تخرجه. لكن خريجي كليات العلوم ليست تلك لا طريقتهم ولا اسلوبهم في اكتساب الخبرات، ولا يكون مستعدًا في الاساس للاحتكاك بالسوق لأنه ليس هدفًا له، فكل طموحه هو أن يكون باحثًا، فماذا تكون ردة فعل عندما يرى ضعف الفرص البحثية بمصر؟ يقوم تلقائيًا بالهجرة من المفهوم النظري للعلم، للمفهوم التطبيقي، فتراه قد ترك خلفه طموحه البحثي ونزل يبحث عن فرص في الشركات والمصانع المختلفة وكثير ممن يقوم بهذه الخطوة يفعلها ولا يعي خطورة الإقدام عليها دون وعي، فلو أنك فعلتها قاصدًا لتكون مرحلة مؤقتة تعين نفسك فيها ماديًا لحين أن تجد فرصة لكنا تلافينا كثير من الجدل، أما ما نراه هو اننا نجد خريجي المجال قد تركوا البحث العلمي اجمالا ليتفرغوا لمهام واعمال أخرى مثل التسويق والادارة وغيرها من المهام التطبيقية البحتة.

وهذه هي الهجرة التي نتحدث عنها في عنوان مقالنا، لأن دارس العلوم هاجر من فكرة البحث العلمي والعلوم الأساسية، لفكرة العلوم التطبيقية والمشاريع المجتمعية، ونتيجة لهذه الهجرة الغير محسوبة يجد نفسه في صدام مستمر مع زملائه من دارسي المجالات التطبيقية وربما في عِراك من أجل اثبات جدارته أمامهم واستحقاقه الحصول على الفرص بدلًا منهم، ومن هنا تبدأ مُعاناة خريجين كلية العلوم وصراعهم في سوق العمل، مع أن موقعهم الحقيقي والأهم والأكثر قيمة بالنسبة لهم هو البحث العلمي.

فجاء مجال التكنولوجيا الحيوية ليفض تلك الأشكالية للأبد، حيث أن مجال التكنولوجيا الحيوية بالرغم من أنه مجال تطبيقي إلا أنه قائم على البحوث النظرية المدعومة بشكل مباشر من قطاع الأعمال ذا الصلة، بمعنى أن بحثك العلمي في التكنولوجيا الحيوية يُمكن أن يقوم على تمويله شركة تستفيد من ذلك البحث، وهذه هي العلاقة التكاملية بين دارسي التكنولوجيا الحيوية في الكليات النظرية مثل كلية العلوم والكليات التطبيقية مثل كلية الزراعة، بالتالي أصبح التركيز على التعاون والتكامل وليس التنافس والتصارع وهو الأمر الذي ننشده جميعًا في المجال. بذلك يكون دارس التكنولوجيا الحيوية بكلية العلوم اشتغل في البحث العلمي وترك التطبيق والانتاج للمختصين به والعكس صحيح. وليس معنى كلامي أنه ليس من الممكن أن يقوم بالبحث العلمي دارسي التكنولوجيا الحيوية من كلية الزراعة أو أن يقوم بالمشاريع دارسي التكنولوجيا الحيوية من كلية العلوم، وانما هذه الحالة القياسية وكل شخص يرغب في اتجاه معين بإمكانه أن يتوجع إليه شرط اعادة تأهيل أفكاره لهذا الطريق الجديد الذي سيسلكه. أخيرًا، فإن أكثر ما يُهمني من خلال المقال، هو العلم بأن لكل دراسة مفاهيم أكاديمية خاصة بها يزرعها القائمون عليها في أدمغة الطلاب، وبشكل تلقائي يتصرف الخريجون بناء عليا، لذلك نصيحتي أنك إذا كنت تريد أن تأخذ اتجاه ليس متسقًا مع دراستك الأكاديمية فحاول أن تقوم بإعادة تهيئة أفكارك ومهاراتك لتتلائم مع هذا الاتجاه الجديد الذي تسعى إليه.