علوم المستقبل وثورة التكنولوجيا في القرن الحادي والعشرين

• علوم المستقبل وثورة التكنولوجيا في القرن الحادي والعشرين

عندما نبدأ بالحديث عن المستقبل غالبًا ما يظن الجميع أننا نتحدث عن مجهول أو غائب، إلا أننا الآن سنتحدث عن المستقبل لأنه حاضر بيننا ومؤثر بدرجة أكبر مما يتصورها البعض، إذ أن المُستقبل هو حصيلة ما فعلناه في الماضي ونُخطط له في الحاضر، كذلك الأمر مع موضوعنا اليوم آلا وهو علوم وتكنولوجيا المستقبل، حيث أنها لم تظهر فجأة وأنما كانت مسيرة عشرات القرون من التطور الأنساني إلى أن وصلنا اليوم لتلك المفاهيم الثورية التي من شأنها تغيير الحياة على كوكب الأرض للأفضل وللأبد، بل وبإمكانها أن تنقذه من الأخطار المُحدقة من كل جانب من النواحي البيئية والصناعية والزراعية والصحية وغيره، حيث أنها جميعًا تملك حلول جذرية صديقة للبيئة وبعيدة عن المشاكل طالما يتم استخدامها في الإطار الصحيح.
علوم المستقبل تشمل مجالات التكنولوجيا الحيوية والمعلوماتية الحيوية وتكنولوجيا النانو، ثلاث مجالات هائلة يُعتبروا هم المظلة الآخيرة التي تجمع كل العلوم والمجالات الهندسية تحتها، وبالرغم من أنك تراهم منفصلين عن بعض من حيث المصطلح إلا أن هناك مجالات فرعية منهم تعتبر مجالات آخرى بحد ذاتها، حيث اندمجت التكنولوجيا الحيوية مع تكنولوجيا النانو لينتجوا مجال تكنولوجيا النانو الحيوية «NANOBIOTECHNOLOGY»، تلك هي علوم المستقبل التي آنهت بوجودها الصيحة القديمة من العلوم ولم يعد هناك ما يُسمى علم كيمياء أو فيزياء أو بيولوجيا منفردين بذاتهم بعيدًا عن حاجة البشر لهم مُكتفيين بتقنياتهم التي عفى عليها الزمن، الآن في علوم المستقبل لن تعرف أين الحدود بين كل علم وآخر، ولن تدرك الشكل الذي اندمجت به لتكن مجال واحد يعمل فيه المتخصصين من كافة المجالات كفريق واحد لكل فرد منهم دور في إطار تخصصه.
الغريب في الأمر أنه عندما تبحث في تاريخ العلوم ستجد أن النتيجة الذي وصلنا إليها كانت هي نفس نقطة الانطلاق التي انطلقت منها الأنسانية، سترى أن علوم المسقبل في ثوبها اليوم لم تختلف كثيرًا في بعض مفاهيهمها عن العلوم الذي مارسها الأنسان في العصور القديمة وحتى الوسطى، فعندما ترى المتخصصين بمجال مثل التكنولوجيا الحيوية يدرسون مُختلف العلوم من كيمياء وفيزياء وأحياء ورياضيات غير مناهج في التسويق والإدارة، ومن ثَم ترى علماء كانوا قديمًا يجمعون في عملهم بين أكثر من علم دون دراسة أكاديمية مثل الآن، ستفهم أن الإنسان بطبيعته حتى يتطور يجب أن يملك كافة الأدوات التي تدفعه لذلك، فما بالك لو تحدثت عن الأنسانية؟
إن زمن «القولبة» في مصر قد انتهى آخيرًا، فدراستك بمجالات علوم المستقبل ستفتح لك جميع مجالات العمل في الإطار العلمي بلا جدال، أي أن درجتك العلمية لن تحدد مصيرك مثلما تعودنا على مدار أكثر من قرن من التعليم التقليدي، من الممكن أن تتعجب وتسئل أين المُتخصص من كل ذلك؟ فنحن بحاجة للمتخصصين، نعم بالطبع أوافقك الرأي، إلا أن التخصص اليوم لم يعد مؤشرًا عليه درجتك العلمية، وإنما التخصص مبني بشكل رئيسي على ماذا قدمت للمجتمع في إطار ما درست؟ هذا هو تخصصك الفعلي الذي من شأنه تطوير المجتمع ودفع البشرية للأمام، المزيد من المشاريع العلمية الريادية تدخل في قطاع الأعمال من خلال دراستك لأحد مجالات علوم المستقبل. بالطبع هذا منطقي، لأن الثورة في ذلك القرن تُسمى بثورة التكنولوجيا، فلم يعد هناك مزيد من الرفاهية خاصةً لدى الدول النامية في تضييع مزيد من الوقت على أبحاث ومشاريع علمية لا فائدة منها في تطور المجتمع، مؤكد انها مهمة ولكن نوعيات الأبحاث تختلف حسب وضع الدولة الأقتصادي، والوضع الأقتصادي الحالي يُنادي جميع الباحثين والمُتخصصين بتسخير قدراتهم لعمل أبحاث تنقذ المجتمع من ذلك الوضع.

عندما نقرأ في التاريخ سنجد علماء مُسلمين مثل أبن سينا الذي كان مُتخصصًا بالفقه والفلسفة والطب والكيمياء، وجابر أبن حيان في الفلك والهندسة والكيمياء والصيدلة، وأبو حنيفة أحد الأئمة الأربعة الذي لم يكن فقيهًا فقط بل كان أيضًا تاجر والفارابي الفيلسوف والطبيب، كل هؤلاء ومن مثلهم هم من صنعوا الحضارة الأسلامية التي نفتخر بها اليوم، وعندما نرى في أوروبا أسباب خروجهم من التخلف في العصور الوسطى سنجد من هم مثل دافنشي الرسام والموسيقي والمُهندس وعالم الخرائط والجيولوجي وعالم النبات. كل المؤشرات تدل على أن الشخص لا ينبغي أن يكتفي في حياته العملية بمجال واحد، من الممكن أن تحافظ على تخصصك كجانب مفضل لديك وهذا مطلوب ولكن حتى تنجح وتطور وتساعد في تقدم المجتمع يجب أن تسعى خلف كل تلك المجالات التي من شأنها مدك بالأدوات اللازم التي ستبني بها نجاحك.

هذا هو الأصل، وهذا هو الشكل التي قامت عليه الحضارات القديمة، ونفس الشكل عاد من جديد في ثورة مجالات مثل التكنولوجيا الحيوية والمعلوماتية الحيوية وتكنولوجيا النانو حتى نستخدمهم مرة أخرى في بناء حضارة أنسانية جديدة، وهذه هي النتيجة الطبيعية التي كان لابد أن تحدث بعد التطور المعرفي والمعلوماتي الهائل، فلا يخفى على الجميع خبر الباحثة الصينية التي حصلت على جائزة نوبل وهي لم تحصل على شهادة علمية من الأساس، حيث أكتشفت علاج للملاريا. هذا ما يعكس الإصرار والتحدي والرغبة في الانجاز والأكتشاف، تلك هي الدوافع الحقيقية حتى تصبح عالم، فالأمر لا يتوقف على تقدير حصلت عليه في أحد سنوات دراستك فرغم أهميته إلا أنك يجب أن تعلم مدى محدوديته وأن الزمن لا يتوقف عنده.

إن ما أرغب في انهاء هذا المقال به، هو شدة دعوتي بالتخلي عن كل ملامح العقود المُنصرمة بمصر فيما يخص الجوانب العلمية، الآن عصر علمي وتكنولوجي جديد من شأنه نفض الغبار من على كثير من العقول التي كان من الممكن أن لا تجد أي فرصة إذا ما تأخر ظهور تلك المجالات على أرض مصر، اللحظة قد حانت حتى يغتنمها الطلاب والدارسين للمجال حتى يكونوا أذرع لهذه الثورة العلمية التي ستغير من وجه المُجتمع إلى الأبد.