التكنولوجيا الحيوية بلا شك مجال غني بالتقنيات والأدوات التي من شأنها التأثير على كافة القِطاعات، ومن ضمن هذه التقنيات التي لها تأثير ثوري على قِطاع الصحة هي «الخلايا الجذعية - Stem Cells» لِما هو معقود عليها من آمال لعلاج الكثير من الحالات المُزمنة والمُستعصية في العديد من أنواع الأمراض المُختلفة. الخلايا الجذعية هي نوع من الخلايا الغير مُتمايزة في جسم الإنسان بمعنى أنها ليست خلية كبد ولا خلية عصبية ولا خلية معدة ولا أي نوع من أنواع الخلايا التي تُكون أعضاء الجسد، وذلك حتى يكون لديها القُدرة للتحول لأي نوع من تلك الخلايا، وفي الإنسان تجري بعض هذه الخلايا مجرى الدم لتعويض التالف من خلايا الأعضاء الأخرى فلو حدث جرح على سبيل المِثال تتجمع الخلايا الجذعية لتتحول لخلايا جلد وبالتالي يكتسب الشخص خلايا جلد جديدة بدل الذي فقدها في الحادثة. تختلف أنواع الخلايا الجذعية المتواجدة في الجسد وتتعدد حسب المرحلة العُمرية للفرد فالخلايا الجذعية قبل مولده غير الخلايا الجذعية للبالغين فهي تكون أنشط ولديها قدرة أكبر على التمايز والإنتواع في مرحلة ما قبل الولادة خاصةً بعد التلقيح وتكوين الزيجوت -وهو الجسم التوتي الذي يتكون منه الجنين-، وللخلايا الجذعية هذه القدرة التي أعتبرها العلماء قدرة خارقة بحق لذا بدأت البحوث عليها لسنوات من أجل أكتشاف المزيد عن هذه الخلايا والأستفادة منه في علاج الكثير من الأمراض، إلا أن جزء كبير مما يخص العلاج بالخلايا الجذعية مازلت آمال وطموحات.
مع كل تلك الفوائد التي مازالت الخلايا الجذعية تُبهرنا بها إلا أن أستخدام هذه التقنية في العلاج آثار الكثير من الجدل فيما يخص الأخلاقيات والمبادئ الإنسانية، غير الجدل العلمي الدائر حول طبيعة قدرة الخلايا الجذعية لعلاج الأمراض، فهي بلا شك تُعالج، ولكن الكيفية والكفاءة مازال حولها الكثير من الغموض. يبدو أن الأمر ليس بالبساطة التي يعتقدها الكثيرين، فليس الأمر مجرد حقن خلايا جذعية في المكان المُصاب لإنتاج الخلايا الجديدة بدل المفقودة، الأمر أكثر تعقيدًا وأقل احتمال غير متوقع أو محسوب قد يُسبب أخطارًا عظيمة أقلها الأورام والسرطانات. الخلايا الجذعية هي حديث العالم والعُلماء في قِطاع الصحة ومازالت هناك الكثير من المحاولات والبحوث والأكتشافات منهم ما نجح وخرج للجمهور ومنهم مَا فشل وسبب مشاكل كثيرة للباحثين القائمين عليه، حتى آني أذكر آخر مُشكلة تسببت في انتحار باحث ياباني نتيجة أنه تلاعب بنتائج أحد التجارب واكتشف المُجتمع العلمي ذلك، بالتالي يجب أن نُدرك قبل الحديث عن مجال الخلايا الجذعية في مصر أننا نتحدث عن مجال جديد وثوري ليس في بلدنا فقط وأنما في العالم ككل، والجدل لا يخصنا وحدنا بل باقي دول العالم أيضًا، كذلك التحديات والصعوبات التي تواجه تطبيق هذه التقنية كثيرة ومتنوعة ومنها ما يصدر عن حكومات أكثر الدول تقدمًا، فهي تقنية مازال مفروض عليها الكثير من الحدود الحمراء التي يُحظر على الباحثين تخطيها، وعلى المستوى الشعبي فكثير من الحركات الشعبية ترى الخلايا الجذعية أنتهاكًا للإنسان وللإنسانية.
بعد هذه المُقدمة عن واقع مجال الخلايا الجذعية في العالم نأتي للواقع في مصر، وعند الحديث عن الخلايا الجذعية في مصر فيجب ألا ننسى إسهامات العديد من العلماء المصريين في المجال الذين أقتحموه من سنين وعملوا على تطويره في البلد بشكل كبير، ولكن تصنيف هؤلاء العلماء هم من الشرائح العُمرية والعلمية الكبيرة ويرجع ذلك لعدم سهولة العمل على الخلايا الجذعية كما أسلفت بالذِكر. لا يعني كلامي أن الشباب غير متواجدين في المجال، بالعكس لأنهم متواجدين وبقوة ولكن مازالوا في مراحلهم الأولى من تدريبهم ودراساتهم حول هذه النوعية من البحوث خاصةً أن البدئ في بحث متعلق بالخلايا الجذعية كباحث رئيسي يستلزم خبرة كبيرة ومعلومات دقيقة لذا سيأخذ الأمر بعض الوقت حتى نجد أسم لعالم مصري آخر بارز في المجال. بشكل عام فإن الخلايا الحذعية في مصر لا وجود لها من حيث قِطاع الأعمال بمعنى أنه لا توجد مصانع أو شركات تعتمد على هذه التقنية في شئ وقِطاع الأعمال كما تعودتم هو محور حديثي في أي مقال مُشابه، ولكن كبحث علمي فالخلايا الجذعية موجودة بشكل جيد وظهرت مؤخرًا ضمن الموضوعات الرائجة بين الطلاب المصريين في المجالات العلمية المُختلفة، غير أن عدم توفر الأمكانيات اللازمة للعمل على تقنية بهذه الأهمية يجعل من الصعب على الطلاب الأصغر الوصول لتدريب عليها مثلًا، إلا أنه من الممكن الوصول لفرصة مُشابهه في المراحل الأخيرة من الدراسة مع قليل من البحث والعلاقات وكذلك بعد التخرج في الدراسات العليا يكون الأمر مُتاح أكثر.
حتى تفكر في العمل على الخلايا الجذعية في مصر أول ما يجب تتأكد منه هو أنك ستعمل في إطار البحث العلمي أي في أحد المؤسسات الأكاديمية سواء كانت مراكز بحثية أو جامعات أو معاهد، بالتالي من الصعب تحويل بحثك إلى مُنتج إلا في حالة تعاونك مع أحد الجهات كالمستشفيات والأطباء البشريين الذين سيستخدمون نتائج بحثك في علاج حالات موجودة بالفعل تُعاني من أمراض يُعالجها بحثك. هناك حالة آخرى إذا كنت تريد أن تُغامر وهي تأسيس شركة ناشئة ذات صلة بمجال الخلايا الجذعية ولن أقول أن الأمر سيكون مستحيل ولكن كل شئ متاح مع الإصرار عليه وهو الشئ الذي أتمنى أن آراه في المستقبل القريب. من هنا كدارسين لمجال التكنولوجيا الحيوية يجب أن نضع في أعتبارنا أن أطار دراستنا هو الخلايا والأنسجة وما نحو ذلك، لذا من غير الوارد التعامل مع الكائن البشري بشكل كامل، فنحن غير مُختصين بالتعامل مع الكائنات في صورتها المُعتادة، وأي تعامل مع الإنسان في صورته الكاملة هو من إختصاص الطبيب البشري المُتخصص في علاج حالته أيًا كانت طبيعة الحالة، وكذلك الأمر مع إجراء أي تجارب سريرية كما أن الموافقة لباحثي التكنولوجيا الحيوية يجب أن تكون مُتضمنة كتابيًا من المريض والطبيب المُعالج في حالة إجراء أي تجارب على خلايا المريض أو سحبها منه. طبعًا أقول هذا الكلام حتى لا يذهب ذهن البعض للعديد من الأفكار المغلوطة عن مجال التكنولوجيا الحيوية التي لا تنُم سوى عن خلل في الإدراك فيما يخص المفاهيم الحقيقية للتقنية الحيوية. ومن البديهي عند العمل على نوعية مُماثلة للبحوث العلمية المتطورة فلا غنى عن فريق العمل مُتعدد الإختصاصات حتى تتمكن من إجراء بحثك.
المحور الآخر في تفكيرك للعمل على الخلايا الجذعية هو ضرورة معرفتك أن المجال ليس سهلًا، بالتالي يجب أن تعمل على تحضير نفسك من النواحي النظرية والعملية بشكل جيد حتى ما إذا ظهرت لك فرصة تكون مُؤهلًا لها. العجيب في الأمر فيما يخص الخلايا الجذعية في مصر على مستوى الطلاب في مراحلهم الأولى أجد أن العديد بمُجرد قراءة مقالة أو أثنين عن المجال وعمله على كتابة عنوان لمُقترح بحثي، يظن أنه بذلك بالفعل يعمل على الخلايا الجذعية! من أين جائت هذه الثقة يا صديقي؟ طبعًا الثقة شئ جميل عندما تكون في محلها وأنا لا أسخر عندما أذكر هذه الواقعة لأني أريد بذلك توعية الكثيرين حتى لا يظنوا أنهم أنجزوا أنجاز وهم مازلوا يتلمسون طريقهم، لابد أن عمل كهذا عمل رائع ومفيد لطالب في مراحل دراسته الأولى ولكن يجب أن يعلم الطالب أن هذا العمل هو السبيل ليُصبح مُؤهلًا أصلًا للعمل على المجال وليس أنه بالفعل يعمل. فمن حقك أن تشعر بإنجازك عندما تنتهي من مُقترحك البحثي بفكرة قابلة للتنفيذ وأن تتم الموافقة عليه وتمويله من أحد الجهات المانحة ويتم تأسيس الفريق الذي سيعمل على هذا البحث وتدخل المختبر من أجل إجراء تجاربك آخيرًا، ذلك هو الإنجاز الذي سيُحقق بعده سلسلة من الأنجازات حال ورود نتائج مُبشرة.

لذا إذا كنت ترغب بالعمل على مجال بهذا الأهمية يجب أن تكون مُدركًا تمامًا لطبيعة هدفك وهذا لن يحدث إلا بعد تدريب وتأهيل سيستغرق بعض الوقت، لأن مجال الخلايا الجذعية ليس هو تلك الكلمتين وانما هو بحر يغرق فيه كل شئ وينصهر، إذ آنك ستُلاحظ دخوله في مجالات صحية عديدة ومتنوعة، كما أنه من البديهي أنك لن تصل إلى مرتبة عالية في هذا العلم وحدك دون مُساعدة الآخرين لذلك يجب أن تطلب المساعدة والنُصح والإرشاد ممن سبقوك في المجال من ذوي الخبرة ولن تجد تلك الشريحة من المُتخصصين مُجتمعة إلا في المحافل العلمية المختلفة مثل المؤتمرات والندوات وورش العمل. من ناحية آخرى فإن الحصول على تدريب في الخلايا الجذعية أمرًا صعبًا بالنسبة للطُلاب خاصةً الجُدد منهم لأنه مجال صعب عمليًا ولكن على كل حال فالتدرب عليه ليس مستحيلًا لأنه مؤخرًا انتشرت العديد من ورش العمل في المجال ولكنها بمبلغ مادي فننصحك بوجوب تحديد أهدافك جيدًا حتى لا تنفق أموال طائلة دون عائد يُفيدك في طريقك ولا تنسى أن هناك بعض المهارات تتعلم من خلالها مهارات آخرى فليس شرطًا أن تتدرب على كل شئ، الشئ السلبي في بعض هذه التدريبات أنها قد لا تسمح بالمُمارسة المُباشرة لذا أبحث دائمًا عن ورشة عمل تسمح لك بذلك، وبالتالي عوضت النقص على التدريبات المجانية في هذا المجال إذا ما خططت جيدًا لخطواتك. تابع دائمًا الأعلانات على الصفحات التابعة للمؤسسات العلمية المُختلفة حتى يظهر أمامك أعلانات ورش العمل التي قد تفيدك كما أن بعض المعامل الخاصة توفر تلك النوعية من التدريب أيضًا، ودائمًا حاول أن تلجأ لدكتور مُتخصص لتسئله عن مدى أهمية هذه الورشة قبل البدئ فيها. بنظرة على مؤسسات الدولة التي يتوفر فيها البحث العلمي على الخلايا الجذعية سنجد أكثر من مؤسسة عملاقة، بالإضافة لبعض المؤسسات الأخرى المُتمثلة في صورة جمعيات علمية ومعامل وطبعًا يجب أن يكون شغلك الشاغل في بداية أي خطوة هي التواصل وبناء شبكة علاقات مع المُتخصصين في المجال بالمؤسسات المتنوعة.

آخيرًا وليس آخرًا فإن مجال الخلايا الجذعية لا ينتهي الكلام عنه، والطموحات في هذا المجال أكثر من العمل عليه ولكن ليس بسبب انعدام الفرص فيه وإنما لعدم كفاءة بعض الطامحين للعمل على أحلامهم، ويجب أن تتذكروا دائمًا أنه طوال فترة دراستكم الأولى حاول أن تبعد عن أتخاذ قرار لست مستعدًا له بعد، واستبعد تمامًا بعض الجُمل مثل «سوف استكمل حياتي الأكاديمية في كذا» حاول أن تعمل وتُجرب كل شئ أولًا وعندما تفعل ذلك أبدأ في تحديد أهدافك وقرارتك بشكل واضح.