واقع مجال الهندسة الوراثية في مصر

• واقع مجال الهندسة الوراثية في مصر

بالطبع عندما يبدأ حديث مُشابه عن مجال شائك مثل الهندسة الوراثية فإنك ترى عيونًا يملئها الانبهار، وذلك من فرط الإعجاب بذلك العلم وتقنياته التي تثير الإعجاب من حجم القدرات التي تمتلكها في تعديل جُزئ الحياة الذي يتحكم بكل الكائنات. إلا أنه وبالرغم من حقيقة قوة ذلك العلم بتقنياته فإننا نسمع حكايات أقرب ما يكون إلى الأساطير، وكم أتذكر حكايات ألف ليلة وليلة عندما أرمي بأذني إلى أحد تلك الحكايات خاصة من بعض الطلاب الجدد الذين يرددونها دون وعيٍ كافي. إن علم الهندسة الوراثية علم مليئ بالعراقل على كل الأصعدة سواء كان الصعيد المُجتمعي أو الحكومي أو الدراسي خاصةً في أحد الدول العربية مثل مصر. لذلك سنوضح بشيء من المنطق حقيقة الهندسة الوراثية في مصر بعيدًا عن كل الجوانب التي ربما قد يتناولها البعض بشكل بعيد كل البُعد عن الواقع.
وقبل أن نبدأ دعونا نتعرض لتعريف بسيط عن مجال الهندسة الوراثية، حيث أنه أحد التقنيات الحيوية المبنية على علم الوراثة ويُعد التطبيق العملي لهذا العلم أي أنه بمعنى أوضح تكنولوجيا الوراثة، وتعتبر تقنية الهندسة الوراثية من أحد التقنيات الثورية بمُختلف طُرقِها ومحاورها حيث أنها تختص بتعديل الحمض النووي لكل الكائنات الحية حسب متطلبات الانسان لتلبية حاجاته المُختلفة في المجالات المتنوعة مثل الزراعة والصناعة والطب والبيئة. انتشرت على مدار فترات سابقة من الزمن أبحاث في الهندسة الوراثية ذاع صيتها حتى أصبحت حديث الساعة في وقتها، فعلى سبيل المثال لا الحصر مَن منا لم يسمع عن النعجة «دولي» المُستنسخة الشهيرة، كذلك الانسولين البشري الذي تنتجه البكتيريا. كل تلك التطبيقات رسمت صورة ذهنية لدى الجميع عن حجم القدرة التي تمتلكها تقنيات الهندسة الوراثية في تعديل وهندسة الكائنات الحية، مما مَهَدَ ظهور العديد من التطبيقات الأخرى خاصةً في المجال الزراعي أصبحنا نتعامل معها يوميًا دون أن ندري أنه قد تم التلاعب بها جينيًا سواء لإضافة صفات أو حذف أخرى غير مرغوبة. إلا أنه وبالرغم من الإيجابيات التي نشأت عن استحداث تقنيات التعديل الجيني فإنك تجد المُعارضة الشرسة التي تستهدف الهندسة الوراثية من بعض المنظمات الغير هادفة للربح في مُختلف دول العالم المُتقدم على وجه التحديد، حيث أن هناك إدعائات تقول أن للهندسة الوراثية آثار جانبية كارثية على المدى البعيد بالإضافة لإن تلك المنظمات تعمل على الترويج لأفكارها وتنظيم المظاهرات التي تعارض التقنية وتُندد باستخدامها.
الباحثون في كل أبحاثهم لم يكتشفوا حتى الآن حقيقة أي من تلك المزاعم التي يُرددها المُعارضون للهندسة الوراثية سواء على المدى البعيد أو القريب، وكل الشواهد تقضي بأن الهندسة الوراثية بلا شك تخبئ نفع هائل للبشرية إذا ما تم تسخيرها للصالح العام، وبالفعل أنقذت الهندسة الوراثية العديد من المجتمعات من الأمراض والمجاعات. غير أن هذا الجدل الدائر كانت له أصداء على العديد من الدول الأقل تقدمًا، ففي الحين التي سمحت فيه كُبرى الدول بانتاج المنتجات المُعدلة وراثيًا منعت الدول الأخرى مثل مصر انتاج هذه المنتجات بالرغم من أنه لا مانع من استيرادها وتداولها في الأسواق. نعم، لا تستعجب! ففي الوقت الذي تذهب فيه لأحد مستودعات البذور التابعة لأحد المراكز القومية وتخبرهم عن رغبتك في الحصول على بعض البذور المُهندسة وراثيًا سيتم مُعاملتك على الفور وكأنك تطلب شراء ممنوعات يُعاقب عليها القانون، إلا أنه بنفس الوقت بإمكانك التسوق في كبرى متاجر القاهرة لشراء نفس المنتجات المُهندسة وراثيًا وستجدها حولك في كل مكان، حيث تتفاخر تلك المتاجر بهذه المُنتجات عالية الجودة والمُصممة خصيصًا لإرضاء الزبائن ذوي الأذواق الانتقائية.
هذه هي مُشكلة الحكومة المصرية مع الهندسة الوراثية، بالإضافة إلى عدم صدور قانون حتى الآن من مجلس الشعب المصري يُنظم البحث أو العمل على تلك التقنية، بذلك دون وعي قطعت الحكومة الذراع الذي يُمول كل أبحاث الهندسة الوراثية في العالم، أي أنها قطعت قطاع الأعمال عن القطاع البحثي بالهندسة الوراثية في مصر، وأصبح كل منهم منعزلًا عن الآخر مما سبب تثبيط التقدم في ذلك المجال إلى حد كبير على أرض الوطن بالرغم من وجود خبرات هائلة لدينا لا يوجد مثيل لها في الوطن العربي غير المؤسسات البحثية العريقة المُنتشرة على أرض الواقع والتي لا تخلوا من أبحاث الهندسة الوراثية والمشاريع العلمية ذات الصلة. ومع تلك الحقيقة التي نأسف لعرضها ويأسف لها كبار الأساتذة المصريين بالمجال، لابد وأنه قد تبادر في ذهنك سؤال مهم وهو، إذًا، ماذا سيكون عملي في الهندسة الوراثية بعد دراستي لها؟ بشكل مباشر فإنه كما وقد علمت فإن الحكومة تمنع تمامًا في قطاع الأعمال العمل على تلك التقنية لذلك لن تجد وظيفة لها صلة بالهندسة الوراثية، وعند قولنا ذلك لا يجب أن تخلط المُصطلحات ببعض لأنه هناك فرق بين مُصطلحي «الهندسة الوراثية» و«علم الوراثة» فنحن هنا نتحدث عن المصطلح الأول، أم المصطلح الثاني فموجود له وظائف سواء في القطاع العام أو الخاص. بمعنى آخر لن تقدر على تعديل أي كائن في قطاع الأعمال بغرض تقديم خدمة أو منتج، إلا أنك ستقدر على عمليات ذات صلة بالوراثة من حيث التشخيص والبحث العلمي.
في إطار البحث العلمي كما ذكرت فمجال الهندسة الوراثية متواجد وبقوة، لذلك هناك دائمًا أمل أن تعمل أو تتدرب بالمجال في أي مركز بحثي بمصر، كما أن هناك معاهد ومراكز ووحدات فقط مُتخصصة في الهندسة الوراثية وأذكركم هنا أن حديث عن تعديل جينوم الكائنات. أما فيما يخص دراسة الهندسة الوراثية فطبعًا الدراسة تنتدرج تحت تخصص التكنولوجيا الحيوية في مُختلف الجامعات المصرية إلا أن الطلاب عندما يبدأوا الدراسة يعتقدون أن بإمكانهم آخيرًا التلاعب بجينات أحدهم، إلا أن هذه أسطورة من الصعب تحقيقها لأن العمل على مجال مُشابه يستلزم خبرات هائلة وإمكانيات بالرغم من توفر مُعظمها إلا أن التعامل معها يتطلب مهارات عالية. بصراحة فإن الطلاب في هذه النقطة يُلقى اللوم عليهم بظنهم أن العمل على تقنية ثورية كهذه بتلك السهولة التي يعتقدوها، على الإطلاق فإن العكس صحيح لأنها غاية في الصعوبة وعمليًا يختلف كليًا عما تسمعوه بالمُحاضرات النظرية بسبب الكم الهائل من الاحتمالات في التباديل والتوافيق بين الجينات لاتمام عملية تعديل واحدة بسيطة. ولكن يبقى العمل في المختبرات أثناء الدراسة مُمكنًا فيما يخص التقنيات الأساسية جدًا والتي تُصنف على أنها من علم الوراثة أكثر منها هندسة وراثية مثل استخلاص الحمض النووي والحمض النووي الريبي والـ«PCR». 
لا أقول هذا الكلام حتى يُصاب بعضكم بالإحباط خاصةً إذا كنتم في سنوات دراستكم الأولى، وإنما أقصد توعيتكم حتى تتمكنوا من رسم خطط أفضل لحياتكم المهنية بناء على الحقائق والوقائع بعيدًا عن الأوهام والأساطير، فعندما تعلم حقيقة مثل أنك لن تعمل بشكل عملي وبقدر كافي على مجال كالهندسة الوراثية، فوقتها يجب أن تعقد العزم على أن تبدأ بالبحث عن تدريب بأحد المشاريع العلمي لأنه وقتها ستعمل دون شك، ولا تنسى أنك يجب أن تكون مؤهلًا حتى يتم قبولك في خطوة مُهمة كتلك. كذلك لابد من خلق حراك داخل الجامعات للمُطالبة بزيادة جرعات الجانب العملي شيئًا فشيء حتى تتطور العملية الدراسية ككل، ولا تحسب أن الأساتذة الذين يُدرسون لك لا يرغبون في ذلك! إنما هم أكثر الناس رغبة في زيادة الجرعات العملية ولكنها كما ذكرنا قد تكون سياسة دولة أو جامعة برُمتها.

آخيرًا، لا يجب عليكم زُملائي أن تظنوا أن الهندسة الوراثية أشبه بعملية القص واللصق، فهي ليست كذلك على الإطلاق، حاولوا أن تُدركوا أهمية وثورية مجال مماثل وأن من أجل العمل عليه فإنه يستحق كل الوقت للمحاولة، وتأهيل أنفسكم للفرص في المجال لا يقل أهمية عن أي شئ آخر من أول التثقيف والقراءة للأبحاث والبحث إلى بناء المُقترحات العلمية فيه ولو نظريًا، فمن الممكن عند التقدم بأحد تلك المقترحات أن تفوز بمنحة بحثية علمية تمول عملك فيه. وعلى كل حال حتى لو لم يُحالفك الحظ فالعمل بعد التخرج من خلال الدراسات العليا على الهندسة الوراثية أسهل بلا شك وأكثر إتاحة.