مجال صناعة الأدوية وعلاقته بالتكنولوجيا الحيوية في مصر

• مجال صناعة الأدوية وعلاقته بالتكنولوجيا الحيوية في مصر

أعلم أن هناك العديد من طلاب مجال التكنولوجيا الحيوية ممن يطمحون للعمل في مجال الصيدلة بمصانع وشركات الأدوية وما نحو ذلك، على أمل أن يبدأوا حياتهم المهنية بشكل جيد في المجال العلمي، لذا سأتحدث اليوم عن واقع مجال تصنيع الدواء في مصر وعلاقته بالبيوتكنولوجي وصلة دارسي التقنية الحيوية به وما إذا كان من الممكن أن يعمل به أو لا، وقبل أن أبدأ يجب أن تعلموا أن تلك المقال ما هي إلا عرض للواقع الذي من شأن معرفته أن يُغير في كثير من الخطط أو حتى يجعلكم تبذلون مزيد من الجهد على أحلامكم، فليس من الجيد أن يبني المرء منا أحلامه وطموحاته على أوهام أو واقع زائف قد تعتقدوا بوجوده وهو أبعد ما يكون عن واقع سوق العمل المصري. بناء على ذلك يجب تعديل مساركم بالشكل الذي يجعلكم أكثر قدرة على تحقيق أحلامكم أو حتى تبدأوا بالتفكير جديًا في إنشاء مشاريع ذا صلة بهدفكم الأصلي.
سأدخل بشكل مباشر في الموضوع وأقول أن شركات الأدوية في مصر بنسبة 99.99% تنقسم للثلاث أنواع التالية:

• أولًا شركات التسويق الدوائي: وهي عبارة عن شركات أدوية وتعتبر الأكثر إنتشارًا بمصر وتُعد بعيدة تمامًا عن صناعة الدواء ولكنها مسئولة عن تسويق وتوزيع دواء ما أو عدة أدوية، حيث تقوم بشراء حقوق تسويقه وبالتالي تكون هي المسئولة عن توزيعه في مصر بالنيابة عن المُصنِع. أي أن كل مهمتها هو استلام الأدوية والعمل عليها من الناحية التسويقية بين الصيدليات والعيادات وتكون الفئة التي يقوم عليها العمل من الموظفين هي فئة «مندوبي الدعاية العلمية - Medical Rep» حيث يكون كل مندوب مسئول عن منطقة جغرافية مُحددة من قِبل الإدارة ويجب أن يقوم بتحقيق مستويات المبيعات المطلوبة له عن طريق الإتفاقيات التي يعقدها والمتابعة مع الصيدليات والعيادات ذات الصلة بالدواء الذي يقوم بتسويقه. تعتبر المهارات المطلوبة للإنضمام لهذه النوعية من الشركات متعلقة بالجوانب التسويقية والعلاقات العامة والمبيعات والإدارية بالإضافة للقدرة العلمية على فِهم طبيعة الدواء حيث يعتمد المندوب بعض الشيء على قدرته في إقناع الطبيب أو الصيدلي بالقدرة العلاجية للدواء وهو ما يتدرب عليه مندوبي الدعاية العلمية قبل نزولهم لسوق العمل.
• ثانيًا شركات التغليف والتعبئة: هي نوعية من شركات الأدوية المتواجدة في مصر بكثرة كذلك ولكنها كسابقتها لا صلة لها بمسئلة تصنيع الدواء، حيث تقتصر مُهمة مصانع التغليف والتعبئة على إستيراد الدواء من الخارج من الشركات الكبرى المُصنعة له، على شكل كبسولات أو المكونات المطلوب تعبئتها وتغليفها، وتقوم الشركة في مصر بعمل الباقي من تغليف وتعبئة لتلك المواد وهكذا، حيث لا تتدخل الشركة تمامًا في صناعة الدواء فكما يأتي من الخارج تقوم بتعبئته وتفعل شركات الأدوية الكبرى ذلك بسبب أن تكلفة الطباعة والعمالة أرخص في مصر ولا تحتاج لعمالة مُدربة. حتى إذا وُجِدت معامل في تلك الشركة فهي بسيطة جدًا وتكون مُهمتها هي التأكد من سلامة الدواء عند تعبئته. بالتالي النوعية الأساسية من الموظفين في هذه الشركة هي عمال خط الأنتاج حيث يأتي الدواء من الخارج يدخل في خط الأنتاج يخرج من الناحية الأخرى مُغلفًا كما تروه في الصيدليات.
• ثالثًا مصانع التجميع: تلك النوعية من المصانع هي الأكثر تطورًا في مصر حيث لا تقتصر على التعبئة والتغليف وإنما تقوم بتجهيز الدواء من خلال استيرادها للمواد الخام وتعمل تلك المصانع على تصنيعه حسب البروتوكول التي تلتزم به مع الشركة الأم، حيث تقوم بإستيراد المادة الفعالة وتقوم بتحضير التركيزات ونسب المواد وكل ما يتعلق بالدواء من حيث المُركبات وخلافه، بالإضافة لإنها تحتوي على معامل جودة «Quality Control» وأحيانًا يكون فيها معمل بحث وتطوير «R&D» ولكن مهمته تكون محدوده للغاية حيث أن المهمة الرئيسية لمعامل البحث والتطوير تكون في الشركات الأم العالمية، وبالنسبة لنوعية الموظفين التي تشملها مصانع الأدوية تلك فتضم الكيميائيين والصيادلة والعمال ومهندسي خطوط الأنتاج، إلا أنه لا دور لخريجي التكنولوجيا الحيوية بسبب عدم أستخدامها أي تقنيات حيوية في بروتوكول عمله لأن الأدوية من ذلك النوع يتم إستيرادها بالكامل ولا يمسها مصري واحد.

بالتالي يكون معنى كل ما ذكرناه أعلاه أنه لا توجد صناعة دواء في مصر من الأساس، كما أنه من المحظور قانونًا تصنيع دواء مصري ليس له نظير بالخارج أي أنك حتى لو قمت بعمل بحث وأكتشفت دواء لعلاج مرض ما فلن يكون لديك القدرة على تصنيعه لأنه لا يوجد له نظير في أحد الشركات الكبرى العالمية المُصنعة للدواء. كما أنه حتى تتواجد شركات لتصنيع الدواء بالكامل يجب أن يكون متوفر لديها وحدات بحث وتطوير هائلة يتم استثمار المليارات فيها ويُذكر أنه لا توجد هذه المواصفات في أي وحدة بحث وتطوير بمصر، حتى مصنع فايزر المتواجد بمصر لا يُصنِع الدواء لأنه مجرد فرع وليس مقر رئيسي حتى لو تواجد به وحدة فليست بتلك المواصفات ويقتصر بمصر على التغليف والتعبئة أو التجميع. طبعًا يا أصدقائي إذا كنتم ترغبون بخوض التجربة فعليكم النزول بأنفسكم في مصانع الأدوية وأن تجربوا وتدخلوا المعامل إذا كانت تحتوي على معامل، ومن أول يوم ستعلموا الواقع كما هو. الجدير بالذِكر أن كل المعلومات التي أذكرها هنا متعارف عليها في الأواسط العلمية ولكن الطالب لا يعرفها إلا متأخرًا جدًا بعد أن يكون قد رسم طريقه، بالتالي تعتبر تلك المقالة توعية لكل الطلاب قبل أن يُبالغوا في رسم أحلامهم على هذا المجال بمصر، كما أن مجال التكنولوجيا الحيوية أوسع بكثير من فكرة تصنيع الأدوية وتُعد أهمية رؤية الصورة الكاملة في بدئ التخطيط الصحيح لطريقك.

كما أنه يغيب عن كثير من دارسي التكنولوجيا الحيوية أنه حتى يعملوا في مجال تصنيع الأدوية فيجب عليهم أن يدركوا أنه لا صلة لنا بتصنيع الأدوية التقليدي، والذي يشمل التصنيع الكيميائي فقط وإنما ما له صلة بمجالنا تلك الأدوية التي يتم تصنيعها بإستخدام التقنيات الحيوية حيث أن هناك العديد من الأدوية اليوم تعتمد على مواد إنزيمية وبروتينات وحتى أنه تم إصدار أكثر من موافقة على دواء يقوم بعمل علاج جيني للمريض، هذه هي نوعية الأدوية التي من المفترض أن نعمل عليها ولكن مع كل أسف لا يوجد هذا في مصر بأي شكل في سوق العمل، هو متواجد ربما في الإطار الأكاديمي والبحثي من خلال أبحاث استخلاص وانتاج المواد الفعالة من النباتات والحيوانات والبكتيريا. بالتالي تكون الإجابة الخاصة بالسؤال المتعلق بهل يُمكنني العمل بشركات أدوية في مصر؟ هي نعم يُمكنك ولكن في إطار ما تقوم به شركة الإدوية فإما أن تكون مندوب علمي أو كيميائي بالمختبر أو مهندس جودة ولكن بشكل عام لا يتعلق كل هذا بتخصصك فمن الأفضل إذا كنت تريد العمل بشركات أدوية أن تكون تلك الشركات خارج مصر وتعمل في وحدات البحث والتطوير بالشركات العالمية كفايزر وباير بالمقرات الرئيسية.