تُعد مجالات التكنولوجيا الحيوية المتنوعة قلبًا نابضًا لتقدم أي صناعة وحضارة على حدٍ سواء في العصر الحديث، وكما أن للتكنولوجيا الحيوية الأثر البالغ في الحِفاظ على مليارات من الجنس البشري بمنأى عن شبح الجوع والجفاف فإن لها كذلك نفس الأثر في مجال الطاقة. ماذا تحتاج أي حضارة حتى تقوم؟ الغذاء والماء والطاقة، وبالرغم من أن الطاقة اختلفت مفاهيمها على مر آلاف السنين من حياة البشر إلا أن التكنولوجيا الحيوية تأتي من جديد بالعديد من العلوم والتطبيقات الثورية في مجالات الطاقة. شَهد العالم في الثورات الصناعية ثورات أخرى في أساليب إمداد النشاطات البشرية بالطاقة بدءًا بالبُخارية مرورًا بالأحفورية وإنتهاءًا بالطاقة الذرية التي نتجت عن انشطار النواة والطاقة المُتجددة للشمس والرياح وحتى طاقة باطن الأرض، وما إن ظن البعض أنه ليس من سبيل آخر سوى تلك الأساليب المتنوعة حتى أن جاءت ثورة التكنولوجيا وبدأ القرن الحادي والعشرين بالافصاح عن مفهوم آخر للطاقة وهي الطاقة الحيوية. ولكن ما هي تلك الطاقة الحيوية؟ تعودنا على أن الطاقة إما أن تُستخرج من باطن الأرض في صورة مواد أحفورية عالية القابلية للإحتراق وإما أن تأتي من طُرق أخرى أكثر خطورة مثل أنشطار الذرة أو طاقة نظيفة مثل الطاقة الشمسية، ماذا عن الطاقة الحيوية؟ ببساطة فإن الطاقة الحيوية هي الطاقة الناتجة عن الإستفادة من الأنظمة الحيوية المُختلفة مصادرها سواء كانت كائنات دقيقة أو نباتات أو حتى حيوانات في أنتاج مواد تحمل نفس القيمة الحرارية والقابلية للإحتراق مثلما نجد في المواد الأحفورية كالبنزين وزيوت الديزل.
إن الطاقة الحيوية تُقدم بدائل أكثر آمانًا وأقل تلويثًا بل يكاد يكون تأثيرها مُنعدم على البيئة، وفي نفس الوقت تُحاكي التراكيب الجُزيئية لأنواع الوقود الأكثر رواجًا اليوم، فالوقود الأحفوري أصبح كبديل له الوقود الحيوي، وزيت الديزل التي تسير به الطائرات والمُحركات الثقيلة أصبح من بدائله البيوديزل، فلم تدع الطاقة الحيوية وقودًا إلا وانتجت له بديلًا يُقارب في كفاءته كثيرًا الوقود التقليدي كما أن البحوث العلمية مازالت تُجري تجاربها لرفع كفاءة هذا الوقود لنستبدل أي وقود أحفوري بالكامل بتلك البدائل الحيوية. يُذكر أن كل تلك الأنواع من الوقود الحيوي تُنتج بالأساس نتيجة التفاعلات الحيوية التي تَجري بداخل خلايا أحد الكائنات التي تُنتجه بشكل حيوي في الطبيعة، فهناك أنواع من البيوديزل يُنتجه نبات «الجاتروفا» على سبيل المِثال، وُهناك أنواع من الفطريات تُولد طاقة كهربائية حيوية أو البيوجاز، والأفضل من كل ذلك أن النواتج الثانوية من عمليات الإحتراق ليس لها آي آثار سلبية على البيئة بل وتتحلل بسهولة.
الطاقة الحيوية في مصر يعتبرها الكثير من دارسي التكنولوجيا الحيوية مجال مُعقد أو غامض، إلا أنه في واقع الأمر من أكثر المجالات التي من السهل دخول أي شخص بها حتى لو لم يكن مُتخصصًا بالمجال، وذلك بسبب حجم الأعمال التي يتميز بها قِطاع الطاقة الحيوية الأن في مصر. الطاقة الحيوية هي التوجه العالمي في عصرنا الحالي فالعديد من الدول المُتقدمة أستبدلت بالفعل نسب كبيرة من الوقود الأحفوري بالوقود الحيوي وتسعى مُعظم الدول بمجهودات مُتنامية على تمويل بحوث الطاقة الحيوية ومن حُسن الحظ فإن مصر من تلك الدول، وكل تلك المجهودات لرفع كفاءة الوقود الحيوي حتى يصل لنفس الكفاءة التي مازال يتسم بها الوقود الأحفوري. على عكس كل مجالات التكنولوجيا الحيوية مُجتمعة يأتي مجال الطاقة الحيوية مُتربعًا على عرش أكثر التقنيات الحيوية تأثيرًا في قطاع الأعمال بمصر -من وجهة نظري- وذلك ما أبحث عنه تحديدًا عندما أتحدث عن المجال ككل، إلا أن هذه القوة للطاقة الحيوية في مصر ناتجة في جُزء كبير منها عن الجهود الفردية من حيث شركات القِطاع الخاص التي تُنتج وتستثمر في ذلك النوع من الطاقة بل وأن قسم من تلك الجهود نتيجة دخول شركات عالمية عملاقة في أنتاج الطاقة الحيوية ولكن كما رأيت فإن أغلبها للأستخدام الداخلي لإحتياجات الشركة، وعلى كل حال فإن تلك المؤشرات مازالت تبعث بالأمل في نفوسنا بمزيد من النمو للإستثمارات في المجال بمصر. جدير بالذِكر أن الطاقة الحيوية من أفضل مجالات التكنولوجيا الحيوية التي يُمكن أن تحصل فيها على فرص عمل أو تدريب وزيارات ميدانية في قِطاع الأعمال، بسبب تنوع فئات الشركات ذات الصلة بالمجال.

أما على مستوى الدولة والمُؤسسات الحكومية في الطاقة الحيوية بقطاع الأعمال فلا تواجد لها -على حد علمي-، إلا أن قوة المجال في مصر يدعمه كثيرًا تواجده الواضح بين أروقة مُؤسسات الدولة في البحث العلمي، فللطاقة الحيوية حضور لا يُستهان به في المؤسسات البحثية المصرية وبين الباحثين المصريين كما تُمول أكاديمية العلوم والتكنولوجيا وبعض المؤسسات الأخرى البحوث في هذا المجال، فنسبة كبيرة جدًا من الباحثين ذوي الصلة بالبحوث الزراعية والبيولوجية يدخلون في الطاقة الحيوية من خلال بحوثهم الأصلية على النباتات والكائنات الدقيقة المُتنوعة حتى أنه أشتهرت مُؤخرًا المُفاعلات الحيوية البسيطة التركيب في معامل الباحثين بتلك الشُعب. كما أن هناك مراكز بحثية مثل مركز بحوث البترول تتخصص بعض أقسامه في الطاقة الحيوية دعمًا لقطاع الأعمال في الطاقة بمصر بجانب التكنولوجيا الحيوية البيئية.
من حيث الفُرص في الطاقة الحيوية فإن فُرص التدريب بالمراكز البحثية أو الشركات متنوعة وكثيرة وليست صعبة مع قليل من الحركة والعلاقات، ستجد التدريبات مُتوفرة في أشهر وأعرق وأقرب المراكز مثل المركز القومي للبحوث ومركز البحوث الزراعية ومركز بحوث البترول وحتى في المحطات البحثية المُترامية في مُحافظات مصر التابعة لمركز بحوث الصحراء. ستحتار بلا شك نتيجة تنوع مصادر الطاقة الحيوية من بكتيريا وفطريات ونباتات... إلخ، غير أنواع المُخلفات العضوية التي بالإمكان الأستفادة منها أيضًا، كما أنك ستُلاحظ اختلاف في مستويات المشاريع البحثية فستجد البسيطة المُقتصرة على الناتج الأولي وستجد الأكثر تطورًا التي تخوض غِمار تقنيات أخرى مثل الهندسة الوراثية والجينوميات والبروتيميات من أجل تحسين نوعية المُركبات الحيوية التي يُستخرج منها الطاقة، فلا شك في ضرورة أن تتحضر جيدًا بالقراءة الشاملة قبل أن تبدأ بالسعي إلى تدريب.

أما من ناحية الشركات وريادة الأعمال، فتواجد شركات تم تأسيسها بالفعل في مجالات الطاقة الحيوية أفضل دليل على خصوبة أرضية ذلك القِطاع في مصر، إذا كنت تريد البدئ في إنشاء شركتك بالمجال فتواصل ونسق مع هذه الشركات ومن خلال بحث بسيط على مُحرك البحث «جوجل» سيمدك بكافة التفاصيل عنها. كما أن بإمكانك التدرب على إنتاج هذه النوعية من الوقود الحيوي حتى تتمكن مُستقبلًا بإنتاجه على مستويات صناعية أكبر. ومن ناحية البحث العلمي في الطاقة الحيوية فكذلك الأمر، الباحثين كُثر وستجدهم بإستمرار في مؤتمراتهم وندواتهم بالمؤسسات البحثية المختلفة، كما أنه بإمكانك العمل على مُقترح بحثي قوي وتقديمه للجهات المَعنية للحصول على تمويل وبدئ العمل فيه عند الموافقة عليه. وطبعًا فإن مجال الطاقة الحيوية فيه الكثير من الأمور التي لا ينتهي الكلام عنها ولكن كانت هذه مُقدمة عن طبيعة وواقع تواجد المجال في مصر، تابعوا معنا في المُستقبل إن شاء الله محاولاتنا في مزيد من الحديث عنه.