دراستك للتكنولوجيا الحيوية لا تعني بالضرورة تخصصك في المجال

• دراستك للتكنولوجيا الحيوية لا تعني بالضرورة تخصصك في المجال

عند الحديث عن التكنولوجيا الحيوية والتخصص فيه يظن البعض أنه فقط بمجرد بدئ الدراسة يُصبح بذلك الطالب مُتخصصًا بالمجال، ولكن كيف ونحن نرى يوميًا عشرات الطلاب الذين لا يدركون المعنى الحقيقي للتقنية الحيوية ومفاهيمها التي ينبنى عليها وإنطلاقًا منها العديد من الإنجازات التي يُحققها الباحثين ورواد الأعمال في المجال سنويًا بإستثمارات تفوق المليارات من الدولارات، إذ أن التخصص الحقيقي هو تخصص الفِكر والعِلم وليس تخصص الدراسة، والدليل على ذلك كم الخريجين الذين يملوا من دراستهم بكل بساطة ويعملون في حقل آخر بعيد عما أفنوا فيه تلك السنوات التي راحت هباءًا نتيجة عدم كفاية إدراكهم لطبيعة علم القرن. لِذا لا يُعتبر هذا المقال حصرًا لدارسي التكنولوجيا الحيوية إعتبارًا لما يقع فيه من توعية عن حقيقة التخصص الفعلي وإنما كذلك سيعود بكثير من النفع على الطامحين بدراسة التخصص حتى يقوموا بالإقلاع عن التمسك بكل المفاهيم الخاطئة التي ستضرهم قبل أن تضر غيرهم، وقبل الإنطلاق بين تلك السطور المُقبلة يجب علينا إقرار بعض الحقائق الهامة عن التخصص الفعلي للتكنولوجيا الحيوية وهي كالآتي:

1. التحاليل الطبية لا تمت بصلة للتكنولوجيا الحيوية.
2. الإهتمام بالجانب البحثي فقط ليس من التكنولوجيا الحيوية.
3. البحث العلمي في العلوم البحتة ليس من التكنولوجيا الحيوية.
4. التعيين في أي مؤسسة مُتخصصة لا يعني بالضرورة مُمارستك للمجال.
5. لو أكملت دراساتك العُليا في نِقاط بعيدة عن المجال وأعتمدت عليها دون دمج بالتكنولوجيا الحيوية فهذا بالضرورة يعني إبتعادك عن المجال.
إذًا مع كل تلك المُسلمات كيف يُصبح الدارس للتكنولوجيا الحيوية مُتخصصًا بها بحق؟ بالطبع الإجابة ليست سهلة وهذه محاولة مني لتبسيط الأمور لأن الواقع يُثبت أن هناك إجابة جديدة بشكل شبه يومي والصورة حتى الأن قد تكون غير مُكتملة بنسبة 100%، فالفكرة ببساطة عندما تم الإقرار بالنِقاط التي أسلفت وذكرتها أعلاه هي النفي التام لكل الصور المُتداولة عن المجال وهي ليست ذات صلة أبدًا بمجال التكنولوجيا الحيوية، وبالرغم من أنها صور حقيقية لدى كثير من الطلاب إلا أن نفيها منذ البداية سيسُاعدنا في تقبل المفاهيم الأساسية التي سنقوم بطرحها فيما يلي، بالإضافة أنه حتى لو عملت على أحد تقنيات التكنولوجيا الحيوية مثل تقنية الحقن المجهري «IVF» على سبيل المِثال فلا يعني ذلك أيضًا أنك تُمارس التكنولوجيا الحيوية لأن هُناك فارِق بين «الفني - Technician» وبين المُتخصص \ العالِم \ المُهندس «Technologist» وشتان بين الإثنين حيث يُمكن لأي شخص أن يقوم بالأولى مهما كان تعليمه أما الثانية لا يقوم بها إلا المُتخصصين بشكل فعلي بالمجال. بالتالي حتى تُعرَف كأحد المُتمرسين في التكنولوجيا الحيوية يجب أن تكون باحث أو أحد رواد الأعمال الذين يدمجون التكنولوجيا الحيوية بمجالات آخرى مُتعددة لإنتاج مُنتج ما أو لتقديم خدمة تفيد البشرية فيما يُعرف بـ«Multidisciplinary» أو «Interdisciplinary» بمعنى أنك قُمت بدمج أكثر من تخصص بحثي دقيق في دراسة واحدة تهدف لتنمية مُنتج أو خدمة ما، بالتالي حتى تصل لهذا الشكل يجب عليك أن تجمع بين الدراسات الأكاديمية والمهارات العملية من حيث إدارة الأعمال، الموارد البشرية، العلاقات العامة وغيره من المهارات التي لابد لك منها حتى تتمكن من التمرس في مجال التكنولوجيا الحيوية ووضع بصمة لك فيه.
موضوع ذا صلة: كيف تبدأ في تنفيذ فكرتك في التكنولوجيا الحيوية الآن؟!
وبالرغم من عدم إستحالة حدوث ذلك إلا أنه يظل تحديًا على الكثير، فخطوة مثل تلك أقل ما تحتاج هو العمل دون كلل أو ملل مع الكثير من التحديات التي تنتظرك على الطريق من أجل إعاقتك عن الوصول لهدفك ومع هذا سيظل السؤال، هل ستخضع وتستسلم لكل تلك التحديات؟ وهُنا لدينا إجابتين لا ثالث لهما الأولى نعم سأستسلم، ووقتها لا تُرهق نفسك منذ البداية وتختار دراسة التكنولوجيا الحيوية أختار أحد المجالات الأخرى الأعتيادية المتوافقة مع طبيعة شخصيتك وأهدافك ليس شرطًا أن نُصبح جميعًا عباقرة ورواد أعمال. أما لو كانت أجابتك لا لن أستسلم، فوقتها أعلم أنك يجب أن تكون أو لا تكون لأن الأختيارات قد أنتهت، وهنا نأتي للخطوات العملية التي على الجميع أخذها بعين الإعتبار لننتقل معًا لمرحلة أخرى سبقنا العالِم إليها من سنوات عديدة. فأولًا حافظ على إستقرار مستواك الدراسي وتوازنه، وثانيًا يجب عليك أن تعرف مَن أنت؟ بمعنى أن تُحدد أهدافك وما الذي ترغب بتقديمه من خلال المجال؟ وما المُنتج الذي سترغب الناس في شراءه منك؟ ما الذي سيُميزك؟ وفي أي مكان أنت من حيث المهارات والخبرات؟ إذا لم تسئل نفسك كل تلك الأسئلة بصدق وتسعى بقوة للإجابة عنها فلن تصل لشيئ وستظل تائهًا طوال الطريق، لِذا كرر تلك الجلسات مع نفسك على فترات في جو مناسب دون أي تشتيت لتُساعد نفسك على الوصول لأفضل إجابات مُمكنة، ولا مفر من الوصول لإجابات حيث يجب الإستيعاب أن كل مرحلة إنتقالية ستُحدد مصيرك لسنوات كثيرة بعد ذلك، فأحرص على الخروج بإستنتاجات تجعل من حياتك أفضل ما يكون. لن تخرج من الجلسة الأولى ولديك كل الإجابات، أصبر حتى تتمكن وتعرف نفسك بشكل جيد، ولكل ذلك فوائد عديدة لن تقتصر فقط على حياتك الأكاديمية أو العملية وإنما الخاصة أيضًا. هُناك مقولة مؤمن بها جدًا تقول «مَنْ عَرف نفسه ما ضره ما قيل فيه» ستكتسب أيضًا مناعة نفسية من أي شخص يحاول إحباطك.
الأن بعد فترة من المُفترض أن تكونوا قد عرفتم أنفسكم على وجه من أوجه الوضوح وعلمتم بالتالي رغباتكم في أهدافكم وإحتياجاتكم لتحقيقها، وحتى تتمكن من تحقيق أهدافك يجب أن تعمل على إخضاع واقعك لها بحيث لا تنجرف مع الحياة لنتائج لا تُريدها على سبيل المِثال إذا رغبت في العمل أثناء الدراسة، لا تبحث عن عمل فقط للمال وإنما إسعى لأكتساب الخبرة، أعلم أنها قد تكون مُعادلة صعبة لدى الكثيرين ولكن يجب عليك أن تُضحي من أجل مُستقبل أفضل، أختر الطُرق الصعبة لأن من خلالها فقط ستحصل على أفضل النتائج. إسعى بعد معرفة نفسك وأهدافك لإحاطة نفسك بذوي الخبرة والعلم في مجال إهتمامك حيث يجب المداومة على حضور المحافل العلمية مثل المؤتمرات والندوات وورش العمل، تدرب كذلك على التقنيات التي ستفيدك وتطوع في فِرق عمل تزيد من خبرتك في الحياة ووسع شبكة علاقاتك المهنية والأكاديمية، وأقضي سنوات دراستك في ذلك بجانب المُحافظة على توازن في مستواك الدراسي. وإذا أنتهيت من دراستك وحققت كل ذلك فلقد أنجزت قسمًا كبيرًا جدًا من طريقك لتحضير نفسك للحصول على أهدافك، حان الوقت الذي ستختار فيه طريقك وتُحدد هويتك. من هنا أنت مُطالب بالعمل وبالإنفاق على نفسك، في نفس الوقت يجب أن تسعى لتطوير نفسك بالشكل الذي يُحافظ عليك في الطريق الذي أختارته، فبعد الخبرة التي تحصلت عليها خلال سنوات دراستك الأربع سيظهر لك مجال تميل إليه على وجه التحديد جذبك إليه ووجدت شغفك فيه.
موضوع ذا صلة: العقل التحليلي مفتاح الاستفادة من الكم الهائل للبيانات
فبعد التخرج أنفق على نفسك من خلال العمل في أي فرصة مُتاحة ذات صلة المجال من قريب أو من بعيد، الأهم هو أن تعمل بمُجرد تخرجك حتى لو لم تكن تُعاني من أزمة مالية لأن العمل مهما كان سيسُاهم في تنمية خبراتك بشكل أو بآخر، ألتزم فقط بضرورة أن يكون العمل ذا صلة بالمجال العلمي. بعد أن تعمل أحرص من خلال راتبك ولو كان ضئيل أن تُطور من نفسك، هذا هو الوقت الذي يجب أن تتعلم فيه إدارة مواردك المالية والتكيف مع موارد مالية قليلة يعُلمك مُستقبلًا تحقيق أهدافك المالية بأقل القليل كما ستُوفر أي إنفاق غير ضروري عكس مَن إعتاد على الوفرة التي لن تُمكنه من إدارة أي أزمة في عمله الخاص. لا تستعجل في تحقيق أهدافك وتأني حيث أن التهور سيتسبب في تدهور كافة أحوالك وهدم طموحاتك، ولا يعني ذلك أن التدهور أمر غير وارد فهو وارد ولكن أحرص على تجنبه منذ البداية. كما أن إدخارك من أجل تحقيق أهدافك في تطوير ذاتك سيعود عليك بكثير من النفع في المستقبل، ومع تلك الخطوة أبدأ في التفكير بجدية عن فكرة مشروعك في مجال التكنولوجيا الحيوية الذي ترغب بتأسيسه. وبالتزامن مع التخطيط والتأسيس لفكرة مشروعك واظب على حضور الدورات والمؤتمرات في المجال لأنك من خلال ذلك ستعمل على تجهيز قائمة علاقات من المُحتمل أن يكون لها دور مُستقبلي في شركتك، وهنا يجب أن تظهر خبرتك التي كنت قد أكتسبتها أثناء فترة الدراسة كمتطوع أو دارس للتكنولوجيا الحيوية خاصة فيما يخص مرونتك ومهارتك في عرض أفكارك لأكتساب الداعمين والشركاء.
موضوع ذا صلة: المسارات التدريبية المقترحة لدارسي التكنولوجيا الحيوية
يُمثل العمل على طريقة عرض فكرتك عاملًا هامًا ومُحدِدًا محوريًا لما إذا كانت هذه الفكرة ستنجح أو لا، وعند كل مرة تعرض فكرة مشروعك أعتبرها نقطة تحول تقودك لمزيد من التطوير على طريقة عرضك لها، وإلا سيتسبب إهمالك لعرض أفكارك في أنعازلك عن ذوي الخبرة والمهارة والقدرة على الإستثمار. من المُمكن أن يأتي أحدهم ويسئل ما علاقة كل ذلك بالتكنولوجيا الحيوية؟ وما صلة ذلك بما إذا كنت سأصبح متخصص بشكل حقيقي أو لا؟، سؤال جيد ولكن الفكرة يا صديقي أنه لو كان كل ذلك الكلام أختياري بالنسبة لدارسي التخصصات الأخرى، فهو ليس أختياري بالنسبة لك كدارس لمجال التكنولوجيا الحيوية، لأن التكنولوجيا الحيوية من خلال دراستك لها يجب عليك ولا خيار آخر سوى أن تقوم بتدشين مشروع له صلة بالدراسة ويقوم على تقديم خدمة أو منتج ما، أو على الأقل تعمل في مشروع مُشابه. هذه النوعية من الدراسات هي ما جعلت دول في قمة التقدم ودول آخرى في قاع العالم، لأن الدول المُتقدمة هي مَن تتحكم في غذائها وملبسها وصحتها ودوائها وبيئتها، بل ومَن تتحكم أيضًا في تلك المقومات لدى الدول الأخرى الأقل تقدمًا. لابد من العلم أن التكنولوجيا الحيوية مجال مُتعلق بمسائل إستراتيجية يتحدد على أساسها ما إذا كانت الدولة حضارية ومُتقدمة أم لها توصيف آخر يُقلل من شأنها تعبيرًا عن عجزها في تلبية حاجتها. 

بإختصار، دراسة التكنولوجيا الحيوية لا تريد منك أن تخرج باحثًا في معملك مُنعزل عن مُجتمعك، بل تريد منك أن تعمل على تطبيق بحوثك في صورة مشروع أو شركة ناشئة لن تعود الإستفادة فقط عليك بل على مُجتمعك وبلدك والبشرية ككل، وفي حالة إنكار حقيقة كتلك عن مجال التكنولوجيا الحيوية أو عدم التوعية عنها فنحن نتجاهل بشكل صارخ الأساس الذي من أجله بُني مجال القرن لمُعالجة الفجوة بين البحوث العلمية والتطبيقات العملية والأسواق. ولكن لماذا لا نرى تلك المفاهيم في التخصصات الأخرى بالعلوم الحيوية؟ لأن ببساطة العلوم الأخرى يتم تدريسها من الناحية الأكاديمية فقط، وعلى راغبي التوجه لإدارة وريادة الأعمال أن يفكروا بالشكل الذي تحدثنا عنه ولكن سيكون من الصعب عليهم ذلك لأنهم لم يتلقوا هذه النوعية من الأفكار من خلال دراستهم، إلا أن هذا الجانب في دراسة التكنولوجيا الحيوية متواجد وبقوة، لذلك يكون تركيزنا على هذه المفاهيم حتى يتمكن كل الدارسين من خوض هذه التجربة بعد أن أدرك كل منهم ضرورة هذه الخطوة الحتمية. وآخيرًا فإنه من السهل قراءة هذا المقال في دقائق ولكن من الصعب تنفيذه، إذ أن الوقت هو ما سيُظهر حجم الجدية، وسيظهر كذلك العديد من المفاهيم التي من الصعب طرحها في صورة نظرية، غير أن العديد من فصول هذه القصة ستقوم أنت بكتابتها ليس غيرك. وكل ما في الأمر أنك حتى تتمكن من أن تصبح مُتخصصًا في مجال التكنولوجيا الحيوية بحق يجب أن تقتنع بحتمية اللجوء لريادة الأعمال المُدمجة مع العلوم.