العقل التحليلي مفتاح الاستفادة من الكم الهائل للبيانات

• العقل التحليلي مفتاح الاستفادة من الكم الهائل للبيانات

أتذكر عندما بدأت دراسة مجال التكنولوجيا الحيوية وكان كلي شغف في معرفة المزيد عن هذا المجال، وكلما كنت أبحث أكثر كلما كنت أجد المزيد من المفاهيم والمعلومات التي لا أقدر أن أصف كم تنوعها وكثرتها على حدٍ سواء، وبالرغم من أن بحثي كان على الأساسيات في أغلبه فلم أكن أمتلك الخبرة الكافية للخوض في غِمار المجال عميقًا، إلا أني سُرعان ما لاحظت الكم الرهيب للبيانات وكأنك قد دخلت مغارة علي بابا للتو ومن كثرة الكنوز التي تزداد يومًا بعد يوم فقدت تركيزك ولم تعد تعلم ماذا تريد أن تأخذ معك. من المهم بكل تأكيد أن يكون لدى الفرد حد أدنى من المعلومات في الشئ الذي يرغب به، إلا أنه في القرن الحادي والعشرين لم يعد مهم إطلاقًا حجم المعلومات التي تمتلك بقدر قدرتك على تحليل البيانات والمعلومات بحيث تتمكن من الاستفادة منها في اتخاذ القرارات وانتاج المنتجات وتقديم الخدمات.
عندما وجد العلماء في الخارج الكم الهائل من البيانات التي أصبح بإمكانهم الولوج إليها، أصبح من الضروري وقتها الاهتمام أكثر بالقدرة التحليلية للبيانات تلك، إذ أن هناك سؤال غاية في الأهمية كان الأقدر على طرح نفسه، آلا وهو ما أهمية كل تلك البيانات لو لم نتمكن من الاستفادة منها عن طريق التحليل الأمثل لها؟ ولمعرفة الغاية من التحليل يجب أولًا تعريف هذا المصطلح لتبيان ما نعني منه، فعندما تفتح المُعجم اللُغوي لتبحث عن مدلول كلمة «تحليل» ستجد أنها تُعَرَفْ بـ«يفطن لأجزاء الشّيء»، أي الاهتمام البالغ بالتفاصيل الدقيقة ومن ثَم الاهتمام بالعلاقة بين كل تفصيلة وأخرى ومن ثَم التفكير في الصِلات المحتملة بينهم بالإضافة للكم الهائل من التبادلات والتوافقات التي بالإمكان حدوثها ونتوج كم هائل آخر من الاحتمالات.

إذا ما طبقنا نفس المفهوم على العلوم الحيوية سنجد مُفاجآت لا حصر لها، حيث أننا لو حذفنا كلمة «شئ» من تعريف كلمة تحليل ووضعنا بدلًا منه مُصطلحات مثل (الحمض النووي، الأنزيمات، البروتينات، الجُزيئات...إلخ) سنجد التطبيق العملي لكلمة تحليل البيانات المتواجد اليوم في كثير من الأبحاث. هل فهمتم قصدي؟ ذلك هو التحدي الأن في العالم كله، وهو القدرة على تحليل تلك البيانات، لذلك كان من الطبيعي ظهور مجموعة من العلوم تُدعى بـ«عائلة أوميكس - Omics Family» لبحث تلك العلاقات المختلفة بين البيانات المتنوعة. وعند تدقيق النظر في جانب آخر ذا صلة سنجد أن التفضيل أيضًا بين الأفراد يأتي من نفس الجانب حيث أننا لو افترضنا أنك تمتلك أكبر كم ممكن من المعلومات هل سيجعلك هذا متميزًا؟ بالطبع لا، ببساطة لأنهم يسبوقننا معلوماتيًا سنين ضوئية كما أن كل معلوماتك من السهل إيجادها من خلال بحث بسيط على الانترنت، ولكن ما يجعلك متميزًا بحق هو قدرتك على تحليل البيانات والبحث في العلاقات فيما بينهم، هذا الذي من شأنه مساعدتك على اكتشاف علاج ما أو اختراع دواء أو نشر بحث، وهذا ما يبحث عنه العلماء اليوم ليس أي شئ آخر.

إنني أنصح بضرورة الأهتمام بتأسيس قواعد بيانات شخصية على كل الأصعدة منذ الأن، قم بترتيبها وتجميعها سطر سطر لأنها بلا شك ستساعدك في المستقبل على تنمية عقلك التحليلي، غير أن المقضِد الرئيسي من وراء تلك الكلمات هو التيقن بأن القدرة الحقيقية تكمن في عقلك وهذا ما سيجعلك مُؤهلًا للإلتحاق بأي شركة أو جامعة بالعالم.