في عصر التكنولوجيا الحيوية، لا مكان للمِهن التقليدية

• في عصر التكنولوجيا الحيوية، لا مكان للمِهن التقليدية

«الآلة ستحل محل الإنسان»، هذه الجملة التي أصبحنا نسمعها على مدار سنوات بل ويؤمن بها البعض إيمانًا شديدًا نظرًا لتقدم البشرية والثورات التكنولوجية التي حلت بنا وأبدلت من طريقة عيشنا وتفاعلنا مع كل شئ، وبالرغم من الفوائد التي ستنتج عن ذلك من وفرة في الإنتاج والتكاليف الأقل وكل ما نحو ذلك، إلا أن هذا أيضًا يُنبئ بخطر مُحدق بكل الوظائف التقليدية، إذ أنها ستختفي في المستقبل القريب كليًا ولا يخفى عليكم أنها بدأت بالإختفاء بالفعل، حيث بدأ أصحاب الشركات والمصانع الإستغناء بالحواسيب والروبوتات عن البشر ممن كانوا يعملوا على تلك الوظائف. ولكن كل هذا في المجالات التكنولوجية، ماذا عن المجالات الحياتية والصحية والعلمية الأخرى؟ هل سيكون للطبيب مكان في المستقبل؟ هل سيكون للصيدلي وظيفة؟ هل سيكون لأخصائيي التحاليل الطبية في المُختبرات المتنوعة مكان؟ هنا يتدخل مجال التكنولوجيا الحيوية ليُجيب عن ذلك بنفس الإجابة التي أفصحت عنها الثورة التكنولوجية بالقرن الحادي والعشرين! حيث أنه نتيجة لدمج التكنولوجيا بالعلوم الحيوية والهندسية المتنوعة ستختفي كل تلك الوظائف التقليدية وسيتم محوها من الوجود تمامًا بل أن هذا بدأ بالحدوث في الدول الأكثر تقدمًا.
مع قليل من البحث ستكتشف أنه لا حاجة للطبيب حتى تكتشف أنك مريض بالسُكري -لا قدر الله- فهناك مُستشعرات حيوية «Biosensors» لديها القدرة على متابعة حالتك الصحية بل وتشخيصك من آن لآخر لإكتشاف ما إذا كنت مُصابًا بمرض السُكري، وإذا أمعنت في البحث ستجد أن تقنيات مثل كشف تسلسل الحمض النووي «DNA Seq» أصبحت تُهدد العديد من المهن التقليدية مثل مهنة الصيدلي المُعتادة بسبب أنه من خلال تلك التقنية أمكن التعرف على أنسب علاج للمريض بل وتصميمه له هو شخصيًا فيما يُعرف بالـ«Personalized Medicine» فما الحاجة للصيدلية والأدوية المختلفة بعد تلك التقنية؟ كما أن كل تلك التحاليل الطبية التي نُهدر عليها أموال طائلة في المعامل التُجارية المُختلفة أصبح من السهل إجرائها على أجهزة معملية مُخصصة لذلك بل ولا حاجة لمُتخصص ليُشرف على عملها. الأمر وما فيه هو رؤية العالم الحتمية لإحلال التقنية الحيوية بدلًا من الإنسان كما حدث في المجالات الأخرى، لأن ذلك سيضمن بلا شك علاج أدق وأكثر فعالية، فمن منا لم يُعاني من الأدوية التي أخذها عن طريق الخطأ؟ وهذا أصلًا إن كان تشخيص حالته الصحية دقيقًا من قِبل الأطباء!
بكل بساطة فإن مجال «التكنولوجيا الحيوية - Biotechnology» هو الإمتداد الحقيقي لكافة العلوم الحيوية، وكل التخصصات التي تراها اليوم مُتربعة على عرش مجالات العلوم الحيوية والصحية ستنصهر تمامًا بمرور الوقت في بوتقة التكنولوجيا الحيوية، كما أن وظائف هذا المجال على وجه التحديد لن ينالها من الضرر ما سيلحق بوظائف تلك المجالات الأخرى، ببساطة لأن المُجال مُصمم ليُلائم إحتياجات العصر ومُتطلبات المُستقبل لأنه بالفعل أحد أسباب الثورة التكنولوجية وعلوم المستقبل التي تمس كل جوانب الحياة. وعندما تُدرك هذه النقطة يجب أن تعلم جيدًا أن دور المتخصص بهذا المجال لا ينحصر في الوقوف في مختبر أو إجراء تجربة بل أن دوره الحقيقي وُمهمته الرئيسية هو عمل هذه التكنولوجيا التي نتكلم عنها وعن دورها الغير التقليدي، وإنتاج كل تلك التطبيقات التي من شأنها تغيير وجه العالم للأفضل. ما أقصده بكل صراحة أنه آن الأوان حتى يتغير فِكر الطالب المصري والعربي للأفضل، لأنه من غير المعقول أنه في عام 2018م ترى الطلاب لا يختلف تفكيرهم عن طلاب عام 1980م! كيف تريد أن تتخرج ليتم توظيفك في وظيفة حكومية ثابتة سواء معيد أو باحث أو في شركة خاصة؟ كيف تفكر في المِهن التي عفى عليها الزمن كمُنتهى الطريق لإحلامك وطموحاتك؟ الأن كل أصحاب تلك المهن الذين أدركوا كل ما نتحدث عنه تراهم جميعًا بالفعل بدأوا بالتوجه لمجال التكنولوجيا الحيوية بحثًا عن التميز والريادة قبل أن يتوجه له غيرهم. وحتى الأساتذة الجامعيين أو الباحثين بدأوا بتطبيق علومهم في قطاعات الأعمال فلم يعد الأن الوقت يسمح بإهمال مزيد من المعلومات بالرغم من ضخامة حجمها.

ما يُثير الخوف بل والرعب هو أن ترى تفكير شخصين يفصل بينهم عقود من الزمان واحد، كيف لذلك أن يحدث ولا يدل إلا على التخلف والرجعية، فمن المفترض أن العقول تكتسب معرفتها بالتراكمية أي أن الجيل الذي يلينا ستكون معرفتنا بالنسبة له معرفة مُعتادة ويسيرة، ولكن أن يبدأ الجيل الذي بعدنا بما بدأنا نحن فهذه كارثة تقضي بفناء مجتمعنا آجلًا أو عاجلًا. كل ما أرمي إليه من خلال هذا المقال أن نقوم بالتخطيط والتفكير لأبعد من تلك السنوات القليلة التي تُفكر فيها، فبدلًا من أن تُفكر لسنة أو اثنين، فِكر في عشرة أو عشرين سنة، فحياتك لا تقتصر على سنوات محدودة حسبت حسابك لها والبقية في عِلم الغيب، فإن لم تسعى لتحسين مُستقبلك منذ اللحظة، فلن يختلف عن ماضيك بشكل كبير.