أهمية حضور المؤتمرات العلمية في مجال التكنولوجيا الحيوية، البيوتكنولوجي، التقانة الحيوية. ندوات وفاعليات علمية. الخرافات السبع حول حضور المؤتمرات العلمية
الخرافات السبع حول حضور المؤتمرات العلمية

• الخرافات السبع حول حضور المؤتمرات العلمية

هناك العديد من المفاهيم الخاطئة التي تضر بسير متخصصو التكنولوجيا الحيوية والمجالات العلمية في حياتهم الأكاديمية والمهنية، ومن تلك المفاهيم الخاطئة ما يدور حول الاندماج في المجتمع العلمي الذي يُعد التواصل فيه السمة المُميزة له والتي تجمع كافة الزملاء من مجال واحد ليتقابلوا ويتناقشوا حول أهم القضايا في مجالاتهم العلمية، ومن شأن ذلك الزخم أن يخلق حراكًا علميًا واعيًا لحل المشكلات التي تقابل الانسانية نتيجة لأن مَنْ يتناقش هم المعنيون بحل تلك المشكلات. لذا تبدو لنا أهمية المؤتمرات والمحافل العلمية في شتى المجالات تحديدًا التكنولوجيا الحيوية، ففضلا عن أنها توفر الوعي اللازم للمتخصصين للتقدم في حياتهم، فإنها أيضا بذلك تساهم في تقدم المجتمع ككل في المجالات التي تشهد حراك مُماثل. من خلال تلك المقالة نتطرق لبعض أكثر الخرافات شيوعًا بين دارسي التكنولوجيا الحيوية والتي تحجبهم عن هذا الكم الهائل من الفائدة الكامنة خلف الحضور والمشاركة في المحافل العلمية تحديدًا المؤتمرات والندوات المتخصصة، والتي قد يُساهم بنشرها البعض ممن تمكنت منهم شياطين الجهل والتخلف والرجعية، ففي الوقت الذي نرى فيه العالم يُقيم أكبر التجمعات من أجل حل المشكلات ونقاش القضايا الانسانية، نرى بعض الصِغار الذين يُرددون العديد من المفاهيم الخاطئة التي لا يعلمون لها أصلًا أو أساس فقط لمبدئ خالف تُعَرَفْ، فمن ذا يُناقض ما قام عليه العلم؟ ولو بحث الطلاب والدارسين عن مهد العلوم دائمًا ما سيجدونه في المؤتمرات العلمية التي تجمع العلماء مع الشباب على حدٍ سواء، فليس من الضرر وحسب عدم المشاركة في مثل تلك الفاعليات وانما ايضا من المخاطرة الاقدام على تلك الخطوة، لتصبح بعد ذلك معزولًا كليًا عن مجتمعك العلمي، مُفتقد للأدوات التي من شأنها اعانتك على اكمال مسيرك في كلا الاتجاهين المهني والأكاديمي. لذا سيكون فيما يلي من كلمات الرد الوافي على الشائعات والخرافات ليس بناء على المنهج العلمي وحسب وانما ايضًا المنطق السليم.

• موضوع ذا صلة: كلمة السر: المهارات العملية لدراسي التكنولوجيا الحيوية

الخرافة الأولى التي يُرددها الكثير وهي أن المؤتمرات ليست هامة لأنها فقط محُاضرات نظرية، والأهم بالطبع هو التدريبات التي تعمل فيها بيدك بالجانب العملي، وللرد على تلك الخرافة دعونا أولًا نستوضح فكرة مهمة، وهي أن العلم قائم على جانبين في عملية التعلم، أولًا النظري وهو ما يشمل أهم المعلومات التي يجب أن تمتلكها لتفهم أساس العلم وتتمكن من معرفة ما ستعمله في المختبر، ثم الجانب العملي الذي تتعلم فيه كيفية إجراء التجارب العلمية بشكل منهجي صحيح لتصل به إلى نتيجة تتوقع حدوثها. بالتالي لو افترضنا ان الجانب النظري ليس مُهمًا وقُمنا بإلغائه مثلًا، سيحدث معك أمر في غاية الخطورة، وهو أنك ستُصبح أشبه بآلة تقوم بتنفيذ خطوات مُتتالية دون أن تُدرك لماذا تقوم بتلك الخطوات وما سبب قيامك ببعض الخطوات قبل أخرى وبعضها بعد خطوات سابقة، وستتحول من عالِم يعي جيدًا سبب القيام بكل خطوة ويُدرك حيثياتها إلى ما هو مُتعارف عليه بـفني مُختبرات، ومع كامل احترامنا لفنيي المُختبرات فإنهم يكونوا أشخاص غير مُتخصصين بالمجال العلمي بالأساس، قد يكونوا دارسين لبعض أهم الأساسيات ولكنهم غير مُتخصصين، وفقط يقومون بتنفيذ ما يتم تلقينه لهم من مهام وخطوات دون معرفة ما سبب القيام بها. أما المُتخصص في التكنولوجيا الحيوية فإنه يجب أن تكون لديه القدرة على الإحاطة بكل تفاصيل ما يفعل وسبب القيام به والهدف منه والتقنيات والأدوات التي ستساعد على الوصول للهدف وهذا بالتحديد ما يقوم به فهمك للجانب النظري للمجال. علمًا بأن مٌصطلح «نظري» لا يعني كما تفهم معلومات نظرية يتم عرضها أمامك، وانما يعني المنهج العلمي والعقلية الصحيحة في التعامل مع المعلومات فضلًا عن أساس العلم الذي تكتسبه في خَضَمْ ذلك. وكل هذا تكتسبه من المُحاضرة التي تشتمل ليس فقط على كل ما ذكرناه وانما ايضا الخبرة التي ينقلها لك المُحاضر في وقت بسيط مُختصرًا خبرات متُراكمة اكتسبها على مدار سنوات وأعوام طويلة. وبالتالي اهمالك للجانب النظري هو اهمال للعلم بكافة اجزائه وكلياته، ووقوفك في المختبر لا يعني أنك تفهم شيء في العلم، وانما ما يُشير لمدى فهمك لمجالك هو قدرتك على السؤال والنقاش والافتراض والمناظرة والتواصل العلمي وهذا بالتحديد ما يحدث في المؤتمرات العلمية، فما يُميز المحاضرات النظرية في المؤتمرات عن الجامعة، هو تلك التشكيلة التي تضم في آنٍ واحد تلقي المعلومات مع مناقشتها والسؤال بخصوصها عكس ما قد يحدث في الجامعة من تلقين دون حوار للمعلومات. كما أن الجانب النظري الذي تتحصل عليه في الجامعة سينتهي بعد مرور أربع سنوات، لذلك يجب أن تسئل نفسك كيف ستضمن استمرار تعلمك وتطورك في المجال بعد انقطاعك عن الجامعة؟ وبالطبع الإجابة هي المؤتمرات العلمية التي يجب أن تواظب عليها لأكبر فترة ممكنة.

الخرافة الثانية تقول أن المؤتمرات العلمية تحتوي على محاضرات نظرية يُمكن الحصول على مثلها من خلال الانترنت. منذ قليل قُمنا بتوضيح ماهية الجانب النظري للتكنولوجيا الحيوية وصححنا حوله المفاهيم وعلمنا أنه لا يُعبر عن المعلومات النظرية وحسب حتى نُردد مثل ذلك الكلام، لكن سنضيف بهذا الشأن أمر آخر للرد على فكرة أن الأنترنت يغني عن حضور المؤتمرات العلمية، وهو أن حديثك مع الكاتب لا يُماثل في حجم الفائدة قراءتك للكتاب. بمعنى أن المعلومات على الانترنت في الاساس هي متاحة عن طريق العلماء والأساتذة المتخصصين وبالتالي سيكون النقاش والسماع منهم بشكل مباشر أكثر فائدة بكثير، وبالطبع القراءة شيء مهم ولكن في العلم تحديدًا يجب أن يكون هناك مُعلمًا ليُرشدك بأي كيفية تستقي معلوماتك وتقوم بتنفيذها، وهذا ما يُحدث في المؤتمرات العلمية. كما أنه يجب أن تعلم أن المؤتمرات بالأساس تُناقش جديد العلم الذي لم يتم نشره بالأساس، بالتالي من الصعب جدًا أن تجد معلومة في مؤتمر على الانترنت الا فيما يخص المحاضرات التي تحمل طابع تعريفي وبالرغم من ذلك فإن المحاضرة التي يُلقيها أمامك المُحاضر في المؤتمر أفضل للأسباب التي تحدثنا عنها. علاوة على ذلك فإن المنهجية العلمية والعقلية الخاصة بالمُحاضر هم الذين قاموا بانتاج العلم وليس العكس وذلك ما يجب أن تتعلمه.

الخرافة الثالثة تقول احضر فقط المؤتمرات الدولية والكبيرة لأن تلك المؤتمرات هي فقط ما تستحق الحضور. وهنا يجب أن نتعلم معلومة مهمة حول المؤتمرات العلمية، وهي أن لكل مؤتمر علمي شريحة معينة يستهدف حضورها، وحتى يستفيد الحضور انفسهم من المؤتمر يجب أن يكونوا من ضمن هذه الشريحة حتى ولو لم يمنعهم المؤتمر من الحضور، بالتالي قد تسمح تلك المؤتمرات بحضورك وبالفعل تحضر ثم لا تفهم شيء لأن ببساطة المؤتمر تم تصميمه لشريحة معينة تمتلك حد أدنى من الخبرات والمعلومات. وعلى ذِكر ذلك نفهم أنه يجب الالتزام بالتدرج لنضمن استمرارية الصعود، لنحضر أولًا بأول المؤتمرات والندوات والمنحافل التي نتوائم معها ثم خطوة بخطوة نقوم بحضور المؤتمرات الأكثر اختصاصًا شيئًا فشيء، فأول شيء تحضر ما حولك من فاعليات علمية بسيطة في جامعتك وكليتك ثم الندوات الأقل ازدحامًا في مُحيطك ثم المؤتمرات المحلية في بلدك ثم المؤتمرات الدولية في بلدك أو خارجها. وسيضمن ذلك التدرج أن تكون تعلمت بالأساس كيفية الانخراط والاستفادة في مثل تلك الفاعليات ثم تتعلم كيفية التواصل الفعال ثم النقاش والسؤال واجراء المقابلات والحوارات على هامش ما تحضر من فاعليات، وكنتيجة لهذا لن تجد أي صعوبة في التأقلم مع أي فاعلية كانت.

• موضوع ذا صلة: ما هي أنواع الفرص العلمية لطلاب وخريجين مجال التكنولوجيا الحيوية (Biotechnology)؟

الخرافة الرابعة تقول أنه يجب أن تكون دارسًا مُتقدمًا في مراحلك الدراسية حتى تفهم ما سيتم الحديث عنه في المؤتمرات العلمية. والرد على تلك الكلمات هو أننا نذهب للجامعة حتى نتعلم ولا نتعلم ثم نذهب للجامعة، بمعنى أن الجامعة مسئولة عن اكسابنا المعلومات في جانب ما لذلك نلتزم بالدراسة بها، وهذا نفس ما تفعله المؤتمرات العلمية، فحضورك لها يُكسبك القدرة مع الوقت على التقدم بها والاستفادة منها أكثر، بالطبع قد تساعدك الجامعة في فهم ما يدور في المؤتمرات العلمية، ولكن ما لا تعلمه هو أن المؤتمر بطبيعة تنظيمه يكون متنوع الاتجاهات والتخصصات وحتى لو حضره أستاذ دكتور في مجال ما فإنه لن تكون لديه القدرة على فهم كامل ما يتم عرضه في المؤتمر. الأمر أشبه باللغز الذي تسعى ورائه لحله وكشف خباياه، العلم دائمًا مليئ بالألغاز المُحيرة ويجب أن تتعود على فكرة أنك لن تعرف كل شيء ولن تفهم كل شيء، هذا أمر حتمي لأنه فوق كل ذي علمٍ عليم، ولكن لا يعني ذلك أن نسكن في أماكننا ونقول ليس لدينا القدرة على فهم كل شيء، وانما يعني السعي الدائم لتحصيل وفِهم المزيد مع فهمنا وتقبلنا لحقيقة أنه سوف تعترضنا الكثير من العراقيل والامور الغير مفهومة بالنسبة لنا. بالتالي عليك أن تواظب على الحضور حتى لو لم تفهم كثير مما يتم شرحه، مع الوقت ستعلوا نسبة فهمك لما يدور من حولك، ولكن مهما وصلت تلك النسبة من علو، لن تُصبح مئة بالمئة لأن تلك طبيعة العلم والمُتعلمين على حدٍ سواء.

الخرافة الخامسة ليست متعلقة بفكرة الحضور من عدمه وانما بسلوكيات معينة خاطئة ويجب تصحيحها عندما تأخذ قرار حضور مؤتمر علمي، وهو أن البعض يقول أن سبب حضوره هو رغبته في سماع المحاضرات، وبالرغم من أن سماع المحاضرات مؤكد أمر هام، إلا أنه ليس الهدف الوحيد من حضور هذه النوعية من الفاعليات العلمية، وانما هناك أهداف أخرى مثل التواصل مع الُحاضرين وفتح حلقات نقاش معهم ومع زملائك وبناء شبكة علاقات تفيدك في حياتك المهنية مُستقبلًا، كل تلك أهداف لا تقل أهمية عن الانصات للمحاضرات.

الخرافة السادسة تقول أن البعض يحضر المؤتمرات العلمية من أجل الحصول على شهادة حضور، وبصراحة هذا ليس سببًا تحضر من أجله، لأن في حقيقة الأمر لا أحد ينظر الأن في الشهادات حتى لو كانت شهادة تخرجك ببساطة لأن المعيار الأول والآخير هو مدى كفائتك العلمية والعملية ووضوح ذلك عليك وعلى طريقة تفكيرك وقدرتك على حل المشكلات، بالتالي نعتبر أن الشهادة الحقيقية هو أنت عندما تستفيد حقًا من المؤتمر او الجامعة او أيًا كان ما تحضر من أجل تطوير نفسك، ودعوني أوضح لكم كم المغالطات حول الشهادات وما يعتقده الكثير من الطلاب الجدد حيث يظن بعض الزملاء أن الشهادة عبارة عن تصريح له بعمل شيء او اثبات على قدرته وهذا أمر خاطئ الآن وعفى عليه الزمن، فالشهادة لا تعدو كونها ورقة ثبوتية لا أكثر مهما كانت الجهات التي تعتمدها فإنها لا تثبت أي شيء، والإثبات الحقيقي بالتجربة العملية، لذلك كل الشركات بلا استثناء عندما توظف لها موظفين وعمال تتعاقد معهم على فترة تجريبية مدتها ثلاث اشهر تقريبًا وقد تختلف باختلاف المهنة، وبعدها إما أن يثبت التقييم قدرتك فعلا على العمل أو لا، وفي كلا الحالتين لا قيمة للشهادة فعليًا، فهناك العديد من المصالح والشركات تقوم بتوظيف موظفيها بشكل أساسي بعد فترة التجربة سواء معه شهادة أو لا. بالتالي أنصح بشدة التخلي عن فكرة الشهادات ومدى قدرتها على تحسين صورتك فطالما أنت لا تمتلك الخبرة التي تنص عليها تلك الورقة فلا قيمة لها، وإذا كنت تمتلك الخبرة دون شهادة تثبتها فهذا لا ينفي امتلاكك الخبرة بكل تأكيد ويبقى الاثبات الوحيد في كلا الحالتين التجربة ثم التجربة.

الخرافة السابعة والأخيرة وتقول أن المؤتمرات العلمية باللغة الانجليزية وقد لا نفهم منها شيء، والعجيب في الأمر أن دراسة التكنولوجيا الحيوية في الأساس باللغة الانجليزية، فأنا لا أفهم سبب احجام البعض عن حضور المؤتمرات لهذا السبب، والأدعى أن يقوموا بالإحجام عن دراسة المجال من الأساس لكن على كل حال حتى لو كنت تجد صعوبة في اللغة فإن ذلك سيختفي بالحضور والمواظبة كما أن كافة المحاضرين يكونوا متعاونين جدًا في تلك المسئلة بأي مؤتمر، حتى المؤتمرات الدولية الكبيرة ربما تجد أساتذة من الهند أو الصين أو فرنسا قد لا يُجيدون اللغة الانجليزية فيتحدثون بها على قدر علمهم، فالمهم هو ايصال المعلومة بأي شكل كان، بالتالي لاتحمل أدنى قلق وانطلق.