ثقافة ريادة الأعمال وربطها بالتكنولوجيا الحيوية، مشاريع البيوتكنولوجي، ريادة الأعمال المجتمعية، العلمية، مشاريع ريادية، استثمار في البحث العلمي، الانتاج والخدمات العلمية، علوم المستقبل.
ثقافة ريادة الأعمال المجتمعية

• ثقافة ريادة الأعمال المجتمعية

إننا بعد أكثر من سبع آلاف سنة حضارة في مصر منذ اختراع الكتابة، وبعد أكثر من 10 آلاف سنة حتى قبل اختراع الكتابة. نتحدث اليوم عن ريادة الأعمال بعدما صبغتها الصِبَغة الغربية وصدرتها لنا بهذا المفهوم والمصطلح الذي يعتقد الكثير أنه شيء ما جديد يجب أن نتبناه حتى نلحق بركب الدول الأكثر تقدمًا. إلا أنه وفي نفس السياق لو أمعنا النظر سنجد أنه لا اختلاف أبدًا بين ما صنعه القدماء في حضارتهم التي مر عليها آلاف السنين وبين ما يتم تصديره إلينا على أنه مفاهيم ثورية ستنقذ البشرية من مستنقعات التكرار وانعدام الإبداع. ريادة الأعمال تتكون من كلمتين لهما وَقَع رنان على آذان مَنْ يسمع، فكلمة ريادة لا تعني فقط القيادة أو الإدارة الفَذة، بل تعني كذلك السَبْقْ لدرجة أن كل مَنْ حولك أصبحوا في ظلك تابعين لك، وغيرهم الكثير ممن يحاول أن يأخذ نفس مسارك سواء بالتقليد أو الاقتباس او التعاون ولكن مع ذلك أنت الرائد الذي تملك زمام هذا العمل وتعرف أصله وأسهمت في وضع اساسه. هكذا ينطبق المعنى ذاته على حضارتنا المصرية، فلقد كانت حضارة رائدة في كل المجالات الزراعية والصناعية والعلمية والفنية والمدنية والمعمارية والطبية...إلخ، مَن ينكر ذلك؟ لكننا لا نكتب هذه الكلمات لنبكي على اطلال تلك الحضارة المجيدة، وانما لنستدعيها من جديد. فليس من العيب أن نقتبس الحضارة الغربية الحديثة في عصور تأخُرنَا، وانما كل العيب أن نتهاون في استرجاع هذا المجد القديم ليتجدد بسواعدنا وعقولنا. وكانت هذه المقدمة البسيطة مجرد اسقاط على ما نعيشه من انسلاخ عن هويتنا ونسيان أن الريادة الحقيقية كانت للأجداد الذين عاشوا على نفس هذه الأرض قبل عصور مع أمكانيات أقل مما يتوفر لنا بكثير، وها نحن اليوم أيها الأحفاد متاح لنا التقدم من جديد عن طريق الاقتباس عمن اقتبس من اجدادنا المعنى الحقيقي للريادة.

• موضوع ذا صلة: أنواع مختبرات التكنولوجيا الحيوية

إن ثقافة ريادة الأعمال الذي نرمي للحديث عنها فيما سيأتي من كلمات، ليست بالضرورة الجانب الاقتصادي منها أو المفاهيم الأكاديمية التي تُفسر بشكل علمي معنى ريادة الأعمال. انما نحن معنيون اليوم بالإحاطة بالثقافة التي ستجعل من السهل تقبل فكرة الأعمال الرائدة وأن نساهم فيها أو نقوم بها. لأنه لو أمعنا النظر في السوق المصري والعربي سنجد أن هناك الكثير من رجال الأعمال الكِبار الذين يستثمرون مليارات الدولارات في الأعمال المختلفة مثل الملاهي والنوادي وسلاسل المطاعم والمراكز التجارية والمواصلات والشركات الخدمية المختلفة. لكن أين الريادة في كل ذلك؟ أين الصناعات الرائدة؟ التي يلجئ لنا العالم فيها، وأين صناعة الدواء الخاصة بنا؟ التي تُمكنا من تصنيع دوائنا بنفسنا دون اللجوء لكبرى الشركات العملاقة الأجنبية لأخذ توكيل منها أو تصريح، أين الزراعات الرائدة؟ فحتى المجال الزراعي الذي مَيزَ الدولة المصرية منذ آلاف السنين أصبح قطاعًا متدهورًا بها ونستورد أطنان من المحاصيل الاستراتيجية من دول طبقت مفهوم الريادة الحديثة فانتجت ما يكفي حاجتها وحاجة العالم. المقصود بالريادة هو التأصيل والتحسين والتطوير، فضلًا عن الاستثمار والجُهد والبحث العلمي المصاحب لعمليات الانتاج والتصنيع. بلا شك يعلم هؤلاء رجال الأعمال المنتشرين في وطننا العربي المفهوم الحقيقي لريادة الأعمال، إلا أنهم لا يتقبلون فكرتها لأنهم ليسوا وعائًا سليمًا لثقافتها. ففي الوقت الذي يستثمر فيه رجال أعمال كبار في كرة القدم بالوطن العربي، كم منهم يستثمر في قطاع الدواء أو تطوير الزراعة؟ والفرق بين القطاعين أن القطاع الأول أرباحه سريعة، أما القطاع الثاني ففيه البحث العلمي والتطوير الذي يستغرق فيه الدواء الواحد على الأقل خمسين سنة.

بالتالي فإن التعرف على ريادة الأعمال أمر سهل نسبيًا لمن يرغب بذلك، فهناك العديد من القنوات والشخصيات والفاعليات ممن تنشر هذه الأفكار، لكن تقبل ثقافتها هو الأمر الصعب، والصعوبة تكمن وراء الرغبة في الربح السريع عكس ما تطلبه ريادة الأعمال من مجهود مُضني من أجل التوصل لمنتج حقيقي سيؤثر في العالم، ولمزيد من التوضيح دعونا نقول أن ريادة الأعمال تجمع بين ثلاث جوانب في غاية الأهمية، الجانب الأول التأثير المُجتمعي بمعنى أن المنتج أو الخدمة الذي ستقدمها عن طريق شركتك سيكون لها أثر مُجتمعي كبير يُحدث أثرًا في حياة الناس ليس فقط بسبب احتياجهم لهذا المنتج وانما لرغبتهم في الحصول على القيمة والفائدة من وراء المنتج. كمثال بسيط في صناعة السيارات، هناك علامات تجارية كثيرة في صناعة السيارات ولكن تسمع مؤخرًا عن علامة «تسلا» التجارية لتصنيع السيارات الكهربائية لمُؤسسها «ايلون ماسك»، فبالرغم من أنها كلها سيارات تُحقق الغرض منها وهو توصيل الرُكاب، إلا أن رائد الأعمال «ماسك» قرر أن يُقدم مع هذا المنتج قيمة ليست متوفرة في كل المنتجات وهي قيمة يحتاجها عصرنا بشدة الآن، أولًا قيمة الحفاظ على البيئة وتقليل انباعاثات الكربون لأن السيارة لا تُصدر عوادم من الأساس، ثم قيمة الاستغناء على الوقود الأحفوري الملوث للبيئة، ثم قيمة ترشيد استهلاك الطاقة بشكل عام والاعتماد على الطاقة النظيفة، ثم قيمة تقليل الازعاج الناتج عن محركات الوقود. كل تلك القيم وأكثر تتوفر في سيارة كهربائية أصبح المجتمع مُمتنًا بسبب تواجدها للحفاظ على سلامته وسلامة أفراده وصحة البيئة وأصبحت الدول تتسابق في تحويل سياراتها لسيارات كهربائية بمختلف العلامات التجارية بعد رؤية شركات السيارات ذلك التحول ومحاولة استغلاله لصالحها. لكن من الرائد هنا؟ طبعا الأجابة واضحة.

الجانب الثاني من جوانب ريادة الأعمال هو الأفكار الابداعية. حيث أنه يجب على خدمتك أو منتجك أن يكون جديدًا ليس شرطًا أن يكون جديد بشكل كامل، وانما على الأقل ليس معتاد وجوده أو السماع عنه بالصورة المتواجد عليها. فسيارات «ايلون ماسك» الكهربائية كفكرة، ليست فكرة حديثة بل حاولت معها شركات كثيرة ولم تحقق نفس النجاح، حتى أنه هو نفس أخفق في بداية الأمر، إلا أنه استمر وأصر على تبني الفكرة حتى خرجت للنور وحققت نجاحًا. من الممكن القول أن الأفكار عمومًا خاصة الحديثة أو الجديدة كُليًا أو جزئيًا كثيرة وقد تتناقل على ألسنة الناس في كثير من الأحيان، لكن دائمًا يكمن التركيز على كيفية العمل على هذه الفكرة حتى تخرج للنور، فسواء كانت أفكار حديثة تمامًا أو أفكار حديثة جزئيًا أو أفكار مُعتادة، المهم في الثلاث أنواع من الأفكار هو أن تعمل عليهم لتقديمهم بشكل مختلف خاصة فيما يتعلق بالأفكار المعتادة، ففكرة السيارات موجودة بل وفكرة السيارات الكهربائية أيضًا ولكن «ايلون ماسك» نجح في تقديمها بشكل مختلف. وغير ذلك فالعالم كله الأن يستخدم تطبيق «أوبر» و«كريم» للتنقل عن طريق سيارات يمتلكها أشخاص آخرين وليست سيارات أجرة، ففكرة التوصيل موجودة وفكرة التأجير موجودة ولكن ما حدث هو طريقة تقديم الخدمة المعتادة بشكل غير مُعتاد عن طريق التطبيق وخرائط جوجل كوسيط افتراضي مُهمته عقد شراكة مؤقتة بين الراكب والسائق\صاحب السيارة.

• موضوع ذا صلة: خمس أنواع لشركات التكنولوجيا الحيوية يجب أن تعرفهم

الجانب الثالث من جوانب ريادة الأعمال، هو جانب البحث والتطوير. بالطبع كل من يقوم بعمل شركة يرغب بتحصيل ربح منها ولكن إذا طغت هذه الرغبة على الشخص أكثر من اللازم يُصبح العمل نفسه في خطر، لأن ببساطة أي شركة أو منتج حتى يكونوا على مستوى الريادة، يجب أن تكون هناك عمليات داخلية في جانب البحث العلمي والتطوير لتقديم منتجات أو خدمات عالية الجودة يتم تطويرها باستمرار لتضمن ريادتها، ذلك لأن تحصيل الريادة ليس أمرًا كتحصيل المركز الأول في مسابقة ما، لن تكون للأبد صاحب المركز الأول في السوق لأن هناك الكثير ممن يرمون للوقوف مكانك. بالتالي الريادة تعني أن تكون مستمرًا في المُقدمة وعندك ما يكفي لضمان ذلك لأطول فترة ممكنة. والمقصود هنا من عندك ما يكفي هو أن يكون بحوزتك من الأفكار والمنتجات والتطويرات الجديدة والمستمرة ما تظل به في المقدمة محافظًا على جودة منتجاتك أو خدماتك والابداع فيها والقيمة من ورائها. وإذا طبقنا نفس المثال الذي طرحناه سنجد أن «ماسك» لم يقم بانتاج السيارة الكهربائية واكتفى بذلك، بل قام من خلال عمليات تطوير وبحث علمي مستمرين بأضافة مميزات وسمات تفوقت بها السيارة الكهربائية على مثيلاتها التي تسير بالوقود الأحفوري، من أول تصميم السيارة وحتى كفاءتها على الطُرق وتجربة القيادة.

الجوانب الثلاثة التي تحدثنا عنهم في ريادة الأعمال هم: الجانب الأول: القيمة المُجتمعية، الجانب الثاني: الأفكار الابداعية والجانب الثالث: البحث العلمي والتطوير.

دعونا نوضح أن صعوبة ريادة الأعمال تكمن في أن تلك الجوانب الثلاث لا ولن يهتم بهم كل من يرغب بالربح السريع، ففي ريادة الأعمال قد يدق الإفلاس الأبواب في أي وقت، نتيجة للحجم الهائل من الانفاق على الثلاث جوانب وقد لا تأتي الأرباح المطلوبة بعد كل ذلك، لذلك فجميع من في ريادة الأعمال يعلم أنها مُخاطرة بحد ذاتها وثقافة المخاطرة صعب تقبلها خاصةً عند أصحاب رؤوس الأموال الضخمة، خاصة في الوطن العربي، أما عند الشباب فليس لديهم ما يخسرونه كونهم يريدون اثبات أنفسهم على أي حال، بالتالي هذه فرصة جيدة لأن تكون أنت صاحب الريادة بأخذ الخطوة الأولى والمخاطرة التي لن تؤثر عليك كثيرًا في شبابك كما أنك ستتعافى منها سريعًا وستتعلم أيضًا. وهناك أمثلة عديدة لمستثمرين يقومون بالاستثمار في عدد كبير من الشركات حتى تنجح منهم شركة تُغطي ما أنفقوه في كل الشركات الخاسرة، لأن هناك نوعية معينة من المستثمرين يقومون بالأستثمار في شركات ريادة الأعمال المجتمعية.

وبالرغم من أن المقالة لم تأتي على ذِكر أي شيء يربط ريادة الأعمال بالتكنولوجيا الحيوية الا أننا ركزنا على نقل هذه الثقافة أولًا بأمثلة مألوفة، ثم بقليل من البحث ستُدرك أن التكنولوجيا الحيوية قائمة على مبدئ وثقافة ريادة الأعمال، فمن منا لا يعلم حقيقة انتاج الانسولين البشري من خلايا بكتيرية وتصنيعه بكميات كبيرة وتحول ذلك لصناعة ضخمة. تلك هي ريادة الأعمال في أبهى صورها حيث أنك تجد مبادئ نجاح أي منتج من وجود حاجة له في السوق وحل لمشكلة كانت موجودة في المنتج الأقدم ويزيد على ذلك بالقيمة المجتمعية في استخدام التقنيات الحيوية الصديقة للبيئة والتي تحافظ على صحة الأنسان علاوة على عمليات البحث والتطوير، وعلى هذا المنوال تسير كافة منتجات وخدمات التكنولوجيا الحيوية، الذي إذا فكرت بتقديم أحدهم يجب عليك أن تحرص على فهمك للتكنولوجيا الحيوية ومبادئها ثم حرصك الثلاث جوانب الذي تحدثنا عنهم بخصوص ريادة الأعمال، وهذا النوع من ريادة الأعمال يُدعى ريادة الأعمال المجتمعية أو العلمية. بمعنى منتج او خدمة قائمين على أساس علمي.