العلاقة بين التكنولوجيا الحيوية والبحث العلمي، البيوتكنولوجي والبحوث العلمية، البحوث النظرية والتطبيقية، الفرق بين الباحثين النظريين والتطبيقيين, البحث العلمي العابر للمجالات, البحث العلمي متعدد التخصصات.
البحث العلمي العابر للمجالات

• البحث العلمي العابر للمجالات العلمية

كم تحدثنا في مناسبات عديدة حول مفاهيم البحث العلمي ومُختلف أنواع المجالات العلمية النظرية منها والتطبيقية ولم يكن حديثنا بلا هدف، حيث أننا في كل مناسبة حاولنا أن نربط تلك النقاشات المعمقة بطبيعة مجال التكنولوجيا الحيوية من أجل فِهم أعمق لهذا المجال الثوري. إذا كنا نرغب حقًا بتطوير فعلي لوجه المجال بمصر فعلينا التكاتف من أجل نشر المفاهيم السليمة حول المجال وربما ليس وحده فقط، لأن المجتمع المصري يحتاج إلى وعي حقيقي في كل المجالات والإطارات العلمية منها والغير علمية. الأمر لا يجب أن يتعلق بمجهود فرد أو مجموعة بعينها وانما لابد من تواجد حراك مجتمعي هائل نحو ذلك النوع من الوعي الذي سيفرز جيلًا قادرًا بشكل أكثر فاعلية على تحقيق أهدافه ورؤياه المستقبلية، ذلك لأن وضوح الرؤية الناتجة عن الوعي لهو أقصر سبيل ناحية مستقبل أفضل لنا ولأبنائنا ولوطننا ولمجتمعنا ككل. أما بشأن اليوم، فإنني سأحاول أن امتد بمسيرة الوعي تلك للحديث عن موضوع ليس شائع الذِكر في الأوساط العلمية رغم شيوعه بالأوجه العملية، فالعديد من الطلاب والأساتذة يمارسونه عمليا إلا أنهم لا يعلمون حقيقة ما يمارسونه وأي تلك المفاهيم التي يخضع لها.

فالبحوث العلمية متعددة المجالات تُعد أكثر أنواع البحث العلمي انتشارًا اليوم على مستوى العالم، فبعد أن كان البحث العلمي يقتصر في ذاته على نقطة بحثية ما بعلم أو مجال بعينه، أصبحت المجالات البحثية تتداخل حتى ظهر لنا مصطلح البحث العلمي متعدد أو متداخل المجالات، والذي يُعبر عن مفهوم جديد وهو دمج أكثر من مجال بحثي في نقطة معينة يرغب الباحثون من مختلف التخصصات بالعمل عليها كفريق عمل واحد يختص كل منهم بالجزء الذي يخصه أو يهتم به. يُعد مشروع الجينوم البشري من أحد أبرز الأمثلة على هذه النوعية من البحوث العلمية، لأنه من أكبر مشاريع البحث العلمي في بدايات القرن الحالي والذي تداخل فيه عشرات المجالات من أجل قراءة تتابعات الحمض النووي البشري، فقد كان يضم مئات العلماء من مجالات البيولوجيا والكيمياء والرياضيات والبرمجيات والفيزياء والهندسة لتحقيق ذلك الهدف. وما إن تحقق حتى أصبح المجتمع العلمي ينظر للبحوث متداخلة المجالات كأنه ينظر لمغارة علي بابا من حجم الفرص الكامنة فيه.

بالتأكيد ترجع حجم الفرص تلك لتراكم المعارف العلمية على مدار أكثر من قرنين من الزمان من البحوث العلمية التقليدية، إلا أن هذا التراكم لم يعد يُحقق العائد الكافي من الاستثمار في البحث العلمي، فبدلًا من ذلك لجئ المجتمع العلمي للاستفادة من تلك المعارف المتراكمة عن طريق هذا النوع الجديد من البحوث العلمية من أجل تطوير الخدمات والمنتجات تحديدًا فيما يتعلق بالبحوث العلمية التطبيقية، وما إن تحقق هذا حتى بدأت الاستثمارات في التدفق للمجالات العلمية من جديدة كنوع من أنواع الثقة على فاعلية تلك البحوث في التنمية وجذب العوائد والأرباح.

محاولتي اليوم من أجل لفت النظر لتلك النوعية من البحوث العلمية ترجع لإيماني الشديد بها، كذلك يهدف هذا المقال لدفع الباحثين الشباب والطلاب لتلك النوعية من البحوث العلمية متعددة ومتداخلة المجالات، وذلك يرجع لكونها قائمة على تشغيل مجموعات كبيرة من فِرق العمل في مختلف التخصصات، ما سيُتيح للشباب على وجه الخصوص التعرض لكم هائل من الخبرات. نحن الآن في عصر انتهى الاعتماد فيه على العمل في جُزر منعزلة، سواء على مستوى المجالات أو الأفراد، لابد من كسر العزلة على كل الأصعدة العلمية والعملية، وإذا كنا نبحث فعلا عن تنمية مجتمعنا فلابد من التعاون بين جميع المجالات من أجل تحقيق ذلك. إلى متى ستعمل المؤسسات البحثية المصرية دون تنسيق متبادل، المنافسة شيء رائع، إلا أن ما أراه هو انعدام التعاون بين المؤسسات البحثية وبعضها، بل ربما أذهب لأبعد من ذلك لأقول أن ذلك التعاون منعدم حتى على مستوى المعامل في المؤسسة الواحدة.

إذا كنا نطمح لأن يحتل البحث العلمي جانب كبير من اهتمام متخذي القرار وميزانية الدولة، فلابد من التعاون المؤسسي الذي يهدف لإنتاج منتج بحثي واضح يكون له أثر التنمية على المجتمع، لابد كذلك من العمل على مشاريع مشتركة من أجل جذب التمويل وتحسين ترتيب الجهود البحثية المصرية على مستوى العالم.

إن البحوث العلمية متداخلة ومتعددة المجالات تعني في جوهرها إيجاد نقاط بحثية مشتركة بين أكثر من مجال تعود مخرجاتها البحثية بالنفع على المجتمع ككل. العديد من المجالات مثل الغذاء والطاقة والمياه والدواء تحتاج لتدخل من باحثين وعلماء مصر من أجل وضع حلول عملية لتلك المشكلات والتحديات، ليس ذلك وحسب وإنما تطوير جودة الحياة في الوطن ككل. ربما يذهب البعض ليقول أن الدولة لا توفر المناخ المناسب من أجل ذلك، إلا أن ما اراه على أرض الواقع يشي بالعكس، حيث أن التمويل المتوفر للعديد من المشروعات البحثية من الجهات المانحة الحكومية يقول أن لِجان التحكيم تنتظر مشاريع بحثية لها طابع تنموي يساعد المجتمع على التغلب على تحدياته. دعونا نعترف أننا لا نملك رفاهية البحث العلمي في تلك النقاط البحثية البعيدة عن مصالح الدولة، وعلى جانب آخر إذا كنا كباحثين لن نتمكن من تقديم حلول عملية لتلك التحديات فمن الذي يجب عليه أن يفعل.

إن توفير المناخ الملائم للبحث العلمي جزء لا يتجزء منه هو روح التعاون التي يجب أن تكون متواجدة بالفعل بين المتخصصين والباحثين والمؤسسات المختلفة، وهذا قبل كل شيء وقبل حتى توفر التمويل اللازم للمشاريع البحثية المختلفة. وربما ابتدأ المقال بالتوجيه ناحية البحوث العلمية متداخلة المجالات، إلا أنني أرى أن تلك النهاية التي تحمل بين طياتها دعوة للتعاون لهي نتيجة طبيعية حتى يتحقق هدف البدئ في تلك البحوث التي ستوفر الفرص الكافية للباحثين المصريين بدلًا من انتظارهم أي فرصة بالخارج. العالم اليوم أصبح قرية صغيرة، والفرصة التي قد لا تتوفر هنا، ربما تتوفر هناك، لذلك لابد لنا من الاستفادة من عقول أبناء ذلك الوطن قبل أن تذهب ثمرة مجهودهم لدول ومجتمعات وشعوب أخرى.






التالي
هذا هو أحدث مقال
السابق
رسالة أقدم