الفرق بين التكنولوجيا الحيوية والطب البشري, كلية الطب, كلية الزراعة, كلية العلوم, برنامج البيوتكنولوجي, التقنية الحيوية, كلية التكنولوجيا الحيوية.
الفرق بين التكنولوجيا الحيوية والطب البشري

• الفرق بين «التكنولوجيا الحيوية - Biotechnology» والطب البشري

بالتأكيد عندما نتحدث عن مجالات علمية مختلفة ونحاول أن نعقد مقارنات بينها يجب أن لا ننسى أن كل مجال له إطاره الذي يتكامل فيه مع بقية المجالات الأخرى، لذلك لا داعي عزيزي القارئ في أن تتعب نفسك من أجل أن تحاول تحديد أي المجالات هي الأفضل من خلال تلك المقالة، الأمر الآخر هو أنه في حال رغبتك لتحديد مجال دراستك المستقبلي فلاشك وأنك يجب أن تحب هذا المجال بغض النظر عن أي شيء آخر، فكم رأينا من طلاب يدخلون لدراسة مجالات بعينها ثم لا يلبسوا أن يتحولوا تمام التحول عنها ليبتعدوا تماما عن هذا المجال الذي لم يجدوا شغفهم فيه. بالتالي فإن تلك المقالة ليست لتخبرك أي المجالات يجب أن تدرس ولا أي المجالات هي الأفضل وانما على صعيد آخر نحاول أن نوضح حقيقة كل مجال علمي وأوجه التشابه والاختلاف بينهما بل وأوجه التكامل أيضًا.

دعونا نبدأ بالمجال الطبي، وبالطبع فإن المجال الطبي مجال واسع وشاسع العلوم والمعارف على حَدٍ سواء. لِما لا وهو يمس أكثر ما يهم حياة الانسان وهي صحته الشخصية التي تؤثر عليه في كل أوجه الحياة، ودائما ما يحتاج الانسان لتلك الرعاية الصحية من لحظة ولادته وحتى عند وفاته وانتهاء حياته. لذلك السبب نجد دومًا نظرة خاصة لهؤلاء البشر الذين يُسَخرون حياتهم من أجل رعاية صحة الآخرين والحِفاظ على حياتهم بل أنهم في بعض الأحيان يضحون بحيواتهم من أجل حفظ حياة الآخرين خاصة في ظروف استثنائية قاسية مثل تلك التي نعيش فيها اليوم بالتزامن مع أحد الأمواج الشرسة لفيروس كورونا الذي ضرب العالم على حين غرة لنجد الحالة الوبائية في معظم بلدان العالم في أعلى مراحل الخطورة. من هنا يجب أن نتطرق لأن المجال الطبي وتحديدًا الطب البشري هو ذلك المجال الذي يهتم بصحة الانسان وحسب في جميع مراحله العمرية ومن أجل محاولة إيضاح بعض المفاهيم العلمية المهمة يجب العلم بأن الأطباء يهتمون في دراستهم بالانسان على مستوى الأجهزة والأعضاء والأنسجة، بمعنى أن جهاز مثل الجهاز الهضمي يحتوي على أعضاء مثل المعدة والبنكرياس والذين يتكونوا بدورهم من نوعيات مختلفة من الأنسجة الحية التي تختلف وظائفها بإختلاف تكوينها. لذا نفهم أن الطبيب يتحدد تخصصه في هذا الإطار ولا يمكن للطبيب أن يتطرق لما هو أدق من ذلك، بمعنى أن الطبيب لا يدخل في تخصصه على سبيل المثال الخلايا الحية التي تتكون منها الانسجة وكذلك ما هو أبعد من الخلايا مثل الحمض النووي والجينات وما نحو ذلك من بكتيريا وفيروسات وكل ما هو أدق من النسيج الحي المُكون لمُختلف أنواع الأجهزة والأعضاء في الانسان.

من هنا نفهم أن الطبيب عندما يتعامل مع المرضى فهو يتعامل معهم بإعتبارهم الكُلي أو كيانهم الإجمالي، فهو يهتم بتشخيص حالتهم المرضية من خلال رصد بعض ما يؤثر على أجهزتهم أو أعضائهم أو أنسجتهم المختلفة وكل طبيب حسب تخصصه يفحص مجموعة معينة من وظائف الجسد من أجل تحديد قراره بشأن الحالة المرضية. وإذا ما لاحظنا آلية تشخيص الأطباء لغالبية الأمراض والحالات نجد أنهم يعتمدون على الآثار الظاهرة للحالة ويستخدمون حواسهم وأحيانًا حدسهم من أجل تحديد طبيعة الحالة المرضية لذلك نرى أنه من الوارد جدًا أن يكون تشخيص طبيب معين خاطئ لنقص خبرته مثلا. كذلك يُمكن للأطباء أن يعتمدوا في تشخيصاتهم للحالات على عوامل مساعدة مثل إجراء التحاليل الطبية والآشعة وهذا ما يوفر للطبيب فرصة أفضل للتعرف على حالة المريض بشكل أدق حيث توفر تلك الأدوات رؤية داخلية للأعضاء والأنسجة التي لا تصل لها عين الطبيب. إلا أن هذا قد يُثير بعض الأسئلة، حيث أن الاعتماد على الآشعة والتحاليل لا يعني سوى أنك مازلت تعتمد على رؤية أعراض ما لحالة مرضية بعينيك. على سبيل المثال عندما تكون إمرأة حامل تسعى للإطمئنان على جنينها فهي تذهب لطبيب النساء والتوليد الذي عادة ما يطلب منها إجراء فحص بالسونار من أجل رؤية الجنين وهو في بطن أمه الذي قد يكون مصابا بمرض وراثي ما عند عدد معين من الأسابيع فيكتشف الطبيب ذلك من خلال صورة الآشعة عن طريق التعرف على مناطق التشوه الوراثي في الجنين قبل أن يُولد. لكن السؤال هنا، أليس من الوارد أن يكون الطفل حاملًا لمرض ما دون أن تظهر عليه أي أعراض مظهرية أو تشوهات خلقية؟

الإجابة أنه طبعا بالفعل وارد جدًا، وهنا يقف تخصص الطبيب عند هذا الحد، حيث أنه ليس من الممكن للطبيب أن يذهب لأبعد مما يراه مع أي حالة يقوم بتشخيصها أو بعلاجها. مع العلم أن المهمة الرئيسية للطبيب هي التشخيص ومن بعد التشخيص والتعرف على المرض فإن العلاج غالبا ما يكون جاهز بل وشائع استخدامه لكثير من الحالات في آنٍ واحد. من هنا نفهم أن ما يدرسه الأطباء يتعلق بفهم الحالة الصحية الإجمالية للإنسان التي يعبر عنها الصفات الظاهرية له ويتعرف الطبيب للحالة المرضية من خلال ظهور خلل ما على تلك الصفات المظهرية. عادة ما يكون ذلك الخلل ظاهرًا بل ومؤثرًا بشكل واضح على المريض مثل حالات الانفلونزا على سبيل المثال نجد المريض مصابا بالرشح والسعال، وفي حالات أخرى نجد هذا الخلل ظاهري أيضا إلا أن العين المجردة لا تتعرف عليه مثل الحالات المرضية بالأورام الخبيثة كالسرطان الذي يظهر مع إجراء الآشعة والتحاليل إلا أنه يبقى ظاهرًا أيضًا طالما أنه بإمكاننا التوصل لرؤية له أو الاحساس بوجوده.

بالتالي نفهم طبيعة مجال الطب البشري وطبيعة الأدوات التي يستخدمها الطبيب في التعرف على المرض، ولكن ماذا عن مجال التكنولوجيا الحيوية؟ هل هناك فعلا أوجه اختلاف بينه وبين المجال الطبي؟ الإجابة بالطبع نعم، إلا أن هذا الاختلاف لا يعني أن المجالين لا يتكاملان معا في أوجه عديدة، فمجال التكنولوجيا الحيوية كما أفردنا بالشرح فيما سبق هو مجال تطبيقي قائم على المعارف المكتسبة من العلوم البيولوجية وبعض الفروع الهندسية والمعلوماتية من أجل انتاج منتج ما أو تقديم خدمة. لذلك فإن التكنولوجيا الحيوية تتسم بأنها تجمع مجموعة كبيرة من الأدوات والتقنيات الحيوية التي تستخدم في كل المجالات الحياتية والتكنولوجية والعلمية والتنموية. فالتكنولوجيا الحيوية تتدخل في القِطاع الصحي لتساعد المرضى بالشكل الذي يعجز عنه أي مجال علمي آخر، ببساطة لأن متخصصو التكنولوجيا الحيوية بإمكانهم الغوص لما هو أبعد بكثير من الأنسجة البشرية، حيث أننا نتعامل مع الأنسان على مستوى الخلية ومستوى حمضها النووي وكل ما هو أدق من ذلك، فالمرض الذي لا يظهر له أي أعراض وقبل حتى أن يتواجد في الانسان بل وقبل الإصابة به، بإمكاننا التعرف على وجوده بل والتغلب على احتمالية ظهوره مستقبلا. لذا فإن التكنولوجيا الحيوية لا تقوم فقط بتشخيص المرض بدقة متناهية بل كذلك تقوم بعلاجه قبل حتى أن يظهر ذلك المرض ويؤثر على الأنسان ووظائفه الحيوية المختلفة.

دعوني أوضح بمزيد من التفصيل طبيعة تلك الإسهامات التي يُسهمها مجال التكنولوجيا الحيوية في القِطاع الصحي، فأولا وقبل كل شيء نجد أن التشخيص يتم من خلال إجراء اختبارات الحمض النووي سواء الحمض النووي للمريض نفسه أو لفيروسات معينة أصابت ذلك المريض أو لبكتيريا مثلا. تتم تلك الاختبارات من أجل التعرف على طبيعة الأصابة أو الحالة المرضية وبالطبع لا يتم اللجوء لهذه الأدوات والتقنيات إلا بعد استنفاذ كل طرق الطب التقليدي وأحيانا يتم اللجوء لها بشكل مباشر في الحالات الحرجة، وبعد أن يتم تشخيص المريض بأستخدام التقنيات الحيوية عالية الدقة وتصدر نتائج تلك الاختبارات يكون الخيار الآن مفتوحا أمام الطبيب المعالج لسلوك العلاج التقليدي أو العلاج الحيوي الذي يقدمه مجال التكنولوجيا الحيوية. بالطبع الأمر غالبا ما يكون معقدا عندما يلجئ المريض للتكنولوجيا الحيوية وغالبا ما تكون الحالة حرجة كذلك، مثل علاج مرض وراثي نادر أو علاج السرطان أو بعض الأوبئة والفيروسات مثل فيروس كورونا، إلا أن المستقبل القريب سيشهد حلول تقنيات التكنولوجيا الحيوية محل كل الطرق التقليدية للمجال الطبي حاليا. ببساطة بسبب ظهور ما يُدعى بالطب الشخصي أو الطب الجُزيئي، بمعنى أن المجال الطبي كما هو متعارف عليه اليوم تقريبا سيختفي لأنه ليس من المنطقي أن يتناول ملايين الأشخاص نفس العلاج عند أصابتهم بمرض ما، كل هذا خاطئ وأثبت فشله لذلك فإن التكنولوجيا الحيوية بمفاهيمها الثورية في المجال الطبي ستحل محل كل ما هو موجود الآن على الساحة.

بلاشك ستكون هناك بعض العقبات من حيث تكلفة تقديم تلك الخدمات والتقنيات المتطورة، إلا أنها ستكون أقل تكلفة مع الوقت وستنتشر شيئا فشيء، كذلك لن يختفي دور الطبيب لأن متخصصي التكنولوجيا الحيوية غير مختصين بالتعامل مع المرضى أو الكائنات في حالتها المعتادة، لذلك سيظل الطبيب وسيطًا بين المريض وبين متخصصي المجال، وسيمده مجال التكنولوجيا الحيوية بكل الأدوات التي ستساعده على التشخيص بشكل أدق بل والعلاج بشكل أفضل. لذلك المتخصصين في المستقبليات وهو المجال المَعني باستشراف ما سيحدث بالمستقبل استنادًا على المعطيات المتوفرة والدلائل الحالية، نراهم يتوقعون أن تكون تقنيات مثل قراءة تسلسل الحمض النووي متوفرة لدى كل المراكز الصحية بحيث يتم الكشف عليها بمجرد دخول المريض واكتشاف احتمالية اصابته بالأمراض المختلفة وميوله نحو أمراض أخرى ومن هنا يتم وضع خطط متابعة ووقاية يتم بها التغلب على كل تلك الاحتماليات. فضلا عن ذلك بإمكان مجال التكنولوجيا الحيوية في إطار الطب الشخصي أن يقوم بعمل علاجات لفرد أو مجموعة من الافراد يتفقون دون غيرهم في مجموعة من السمات والصفات حتى يكون العلاج لهم أكثر فعالية وتأثير، بعيدًا عن تلك العلاجات الشائعة اليوم والتي قد لا تحقق الهدف منها مع الكثير من المرضى بسبب أن تصميمها لم يأتي بالأساس ليشمل هؤلاء الافراد بتلك الصفات الجينية والمظهرية الخاصة. هذا طبيعي جدا لأن البشر لديهم الكثير من الاختلافات المؤثرة التي لابد من الأخذ بها عند وضع أي رؤية علاجية من بدئ صناعة الدواء وحتى اعتماده من الطبيب المعالج.

ستوفر التكنولوجيا الحيوية العديد من التقنيات الثورية سواء في التشخيص والعلاج مما سيوفر الكثير من الوقت والجهد وكذلك الأرواح على المجتمعات، وما أحب أن أنوه عليه أننا لا نتحدث عن خيال علمي بل نقول أن مثل تلك التقنيات متواجدة على الساحة الطبية وبقوة وتحديدًا في مصر في كثير من المؤسسات الصحية فمع بحث بسيط ستكتشف أن أكبر المؤسسات العلاجية في مصر وحتى بعض المؤسسات الصغيرة والمتوسطة تعتمد على بروتوكولات التشخيص والعلاج التي تعج بالتقنيات الحيوية. الأمر فقط ليس متنشرا بين العامة من الأطباء والمرضى بسبب ارتفاع التكلفة إلا أن في شريحة ما من الحالات المرضية سترى أن الطبيب الواعي لا يتنازل عن استخدام تلك الاساليب الثورية في التشخيص والعلاج من أجل انقاذ مريضه. الأمر الذي يُشجع الكثير من الأطباء الشباب على التوجه في دراساتهم العليا نحو التكنولوجيا الحيوية من أجل أن يكونوا روادًا مستقبليين في هذا المجال. الجدير بالذِكر أن التكنولوجيا الحيوية لا تزاحم أي مجال علمي، لأنها ببساطة امتداد لكل المجالات العلمية.

مما لاشك فيه أنه مما أطالنا كلامنا عن هذا الموضوع فإنه لن يكفينا عشرات المقالات من أجل تغطية كافة جوانبه، فالفروق بين العلوم والمجالات التقليدية والعلوم والمجالات المتطورة هائلة ومحورية وجوهرية وقد تمس في مفهومها مثل الذي شرحناه من قبل على تلك المنصة التي بين أيديكم، لذلك لابد أن أنصح المهتمين بمعرفة المزيد أن يتجولوا بين مقالات تلك المنصة من أجل الغوص في مزيد من المعرفة حول أهم تلك المبادئ المحورية، فضلا عن ألا يملوا من القراءة في المصادر المختلفة على الانترنت خاصة الموسوعية منها.