الطموح العلمي ومعضلة التحديات المادية,التكنولوجيا الحيوية والمسار الأكاديمي، البحث العلمي، سوق العمل، وظائف البيوتكنولوجي في مصر وعلاقاتها بالبحث العلمي، المشاريع الريادية العلمية.
الطموح العلمي ومعضلة التحديات المادية

• الطموح العلمي ومعضلة التحديات المادية

لا يخفى على كل المُنغمسين في شغفهم العلمي أيًا كان مجالهم أو دراستهم، أن الطموح العلمي قد لا يفي بالغرض خاصة في بداية المسيرة الأكاديمية فيما يخص تلبية احتياجات الحياة المادية، لا سيما لدى الشباب من الباحثين الجُدد والباحثات، فنرى الكثير منهم ممن يتخلى عن تلك المسيرة من أجل الحصول على وظيفة بأحد الشركات مع راتب أكبر ولكن أيضًا مع تحديات قد تختلف في طبيعتها عن التحديات داخل المختبر. وتكون حصيلة تلك الخطوات في السعي وراء الحصول على راتب أكبر هو التخلي كُليًا عن المسيرة الأكاديمية. في الحقيقة فإن السعي وراء الفرص المادية أو العلمية أو المعنوية أو الاجتماعية، أمر لا نلوم عليه أحد، فكل شخص له مُطلق الحرية في تقييم أولوياته والسعي وراء أكثر ما يريد. فمن منا لا يُريد تغطية نفقاته اليومية ويزيد بشكل يُحقق له الارتياح والأمان الأجتماعي، فمسيرة الدراسة الطويلة والمُرهقة قد تُصيب البعض بالإحباط الشديد عندما لا يجد التقدير المادي اللازم عند تخرجه، بل على النقيض تمامًا يجد العديد من الأعباء المادية إذا فكر في استكمال مسيرته الأكاديمية. لذلك جئنا في ذلك المقال لنحاول بما لدينا أن نطرح وجهة نظر هي أقرب ما يكون لحل وسط لتلك المُعضلة، وهي مُعضلة المفاضلة والأختيار بين الجانبين العلمي أو المادي. في الواقع فإن وجهة النظر تلك تلغي أي تضاد بين الجانبين وربما قد تجعلهم على نفس الجانب أيضًا، فالحياة ليست مبنية على التنافر وانما على التكامل والتنوع الذي يُحقق التوازن المطلوب.

• موضوع ذا صلة: ثقافة ريادة الأعمال المجتمعية

عندما نطلب المادة، فهذا طلب مشروع لأن طلب الرزق جائز بل واجب على كل فرد. لكن قد يتطلب الأمر بعض المراوغة عندما يتعلق باتخاذ قرار قد يكون له عواقب ليست جيدة فيما بعد. وقبل الاسترسال فيما سيأتي من كلمات، علينا أن نوضح أمرًا، آلا وهو لزوم الانتباه لأن المقال بالأساس جاء من أجل هؤلاء الذين لا يريدون التخلي عن مسيرتهم الأكاديمية وليس لمن لديه الأمر سيان سواء استمر او لا. فالأمر وما فيه أنه من البداية لا داعي لاتخاذ قرارات حاسمة إما أبيض أو أسود، ففي بعض الأحيان يُفضل أن تكون هناك مناطق رمادية من أجل الاستمرار، فكسب المال لا يعني التخلي التام عن حلمك أو هدفك الذي لا يُدر عليك دخلًا، وكذا السعي من أجل حلمك لا يعني بالضرورة الفقر والاحتياج. هناك منطقة وسط بإمكانك أن تتحرك فيها بين الدَخل المعقول واستمرارك على طريقك الذي تسعى فيه منذ البداية. ربما أيضًا مع بعض الذكاء قد يكون دخلًا أكبر مما كنت تريد يغطي كافة احتياجاتك بل يزيد.

أولًا، دعونا نفترض أن الزمن على خطين متوازيين، الخط الأول هو الحاضر والخط الثاني هو المستقبل. لا يُنكر أحد ممن توجه للتوظيف في سوق العمل أنه ليس هناك من أمان وظيفي، بل أن مُصطلح أمان وظيفي نفسه يُعد أكذوبة كبيرة، فأغلب الشركات لن تتردد في التخلي عنك حتى لو كنت الأكثر كفاءة لأي سبب من الأسباب المنطقية بالنسبة للإدارة والغير منطقية بالنسبة للموظف، بل أن الأمر يتعدى الموظفين ويصل للإداريين أنفسهم، بالتالي فإن عُمر الموظفين مهما ارتقوا في المراتب الإدارية قصير جدًا في الشركات، ذلك لأن الأقدمية تفرض على الشركة راتب أكبر مع كل سنة وهذا ما تتهرب منه الشركات باستمرار. لذلك الوظيفة بأحد تلك الشركات إذا كنت تعلم أو لا هي وظيفة مؤقتة آجلًا أو عاجلًا ستنتهي علاقتك بتلك الشركة، حتى لهؤلاء الذي يريدون التخلي كُليًا عن مسيرتهم الأكاديمية من أجل جني الأموال في سوق العمل. والمقصود بالمسيرة الأكاديمية هنا ليست مُجرد الحصول على الدرجات العلمية وانما الانغماس في العمل البحثي. والحل هنا هو الفرضية التي طرحناها منذ قليل وهي فرضية الزمن على خطين، فإذا اعتبرنا أيضًا أن هناك منا نسختين كذلك، نسخة تعمل على الخط الأول في الزمن الحاضر من أجل الحاضر وهو الارتياح المادي ربما ليس بشكل كامل وانما إلى حد ما معقول، ومع تلك النسخة على ذلك الخط نعمل في المتاح أمامنا من فرص، الشغل أو العمل المتوفر لتلبية احتياجتنا المادية ومتطلبات الحياة، وطبعا من المؤكد أن الأمر لن يكون سهلًا من أول محاولة، سيحتاج منك أن تُجهز نفسك مُسبقًا من أجل الحصول على الفرص التي ترغب بالتوظف فيها. فربما قد تتنازل في أول فرصة تأتيك من أجل اكتساب الخبرة اللازمة للحصول على عمل أفضل براتب أكبر. إلى أن تصل خبرتك لمستوى تحصل به على الوظيفة التي تجد من خلالها الراتب الذي تريده. وتذكر هنا أمرًا هامًا، أياك وأن ترتبط عاطفيًا أو لا شعوريًا بأي شركة مهما كانت جيدة، أبذل ما في وسعك دائمًا من أجل اثبات جدارتك، ولكن أبقي عينيك على الفرصة التي تليها، لأنه كما ذكرنا كل الفرص في سوق العمل كموظف ستكون مؤقتة، وهدفك الأول والأخير هو الترقي للحصول على راتب افضل يساوي الخبرة التي تتحصل عليها. لذلك لا تتردد عندما تصل خبرتك للمستوى المطلوب في ترك الشركة للانتقال للمستوى التالي إذا لم يُحققوا هم طموحك بالانتقال. ولا تقلق هذا أمر تتفهمه كافة الشركات، حتى أن بعض الشركات أثناء اختيار الموظفين لا تقوم بتعيين مَنْ يفوق مستواهم مستوى الشركة. يجب أن نُشير هنا أن هذا الكلام لا يعني اطلاقًا اهمال بناء علاقات قوية مع فريق العمل بداخل الشركة، بل بالعكس يجب أن تحافظ على علاقات قوية مع الجميع قدر الإمكان وربما نستعرض ذلك بالتفصيل في مقالة أخرى.

لمزيد من التوضيح دعونا نقوم بتفصيل بعض النقاط في الخط الزمني الأول الذي افترضناه، أول شيء يجب أن نعلم أننا وضعنا تلك الفرضية بناء على حقيقة أن العمل في سوق العمل مؤقت من أجل تحقيق رغبتنا في الحصول على عائد مادي يُعينا في مسيرتنا الأكاديمية. أي أننا في هذا الخط لم نترك مسيرتنا الأكاديمية حتى الآن، وربما يوضح هذا سبب أننا لا نسعى إلى دخل مادي كبير بقدر ما نسعى إلى الحد المعقول، وطبعا يرجع ذلك لعدم التفرغ التام للعمل في السوق. الفكرة الأخرى التي نعتمد عليها في هذا الخط هي نوعية الشركات التي ستقبل عملك بها على هذا الوضع من عدم التفرغ التام، وهناك شركات كثيرة تتقبل هذا للوضع ليس للخريجين وحسب وانما للطلاب أيضًا. الفكرة الثالثة هي أنك ستقوم بالعمل لدى شركات في الأساس لها صلة بمجالك العلمي، أي أنها شركة ستقوم بتوظيف معرفتك العلمية بها بالتالي أنت فقط ستحتاج تنمية مهاراتك العملية ف سوق العمل لأن العلمية بالفعل لديك. وبالمناسبة هذا ما ستفعله الشركة نفسها من خلال تدريبك وجدير بالذِكر أن هناك فترة تدريب في أي شركة سيتم توظيفك بها لذا لا تقلق من جانب نقص مهارات السوق لديك. الفكرة الرابعة هي استغلال تواجدك في سوق العمل وتنمية مهاراتك العملية وعلاقاتك لأنك بلا شك ستحتاجها في حياتك الأكاديمية، وتذكر أنه ولابد أن تتوظف في شركات ذات صلة بالمجال العلمي بشكل عام مهما كانت بعيدة عن اختصاصك، المهم أن لا تكون شركات خارج الإطار العلمي.

فهمنا الأن كيف سنتصرف على الخط الأول، ننتقل الأن للخط الثاني الذي افترضناه هو خط المستقبل، خط المستقبل هو خط مسيرتك الأكاديمية التي لا تريد التخلي عنها، وبالطبع يجب العلم أنه من أهم الأسباب في عدم التخلي عن مسيرتك الأكاديمية أنك فيها تنمو باستمرار ولا يُمكن لأحد أن يأتي في يوم ويقول لك هذه الخبرة ليست لك أو لن تستفيد منها، بالعكس فما أراه هو أن المسيرة الأكاديمية خط مُستقبلي بامتياز مهما كانت الصعوبات فيه لابد من التمسك به، وهنا يجب أن أوضح أنني أشمل في لفظ المسيرة الأكاديمية أيضًا ما يُحتمل أن تقوم عليه من خطوات، بمعنى أنه قد تتراكم معرفتك بشكل يسمح لك بتأسيس مشروع أو بالتعاون مع أحد الشركات أو طلبك من خلال أحد الشركات المتخصصة في وقت ما بالمستقبل. مما يُمثل لك فرصة كبيرة جدًا، والذي يجب ادراكه جيدًا هو أن أكثر من يحصل على تلك الفرص في المستقبل هم الأكثر احتكاكًا بسوق العمل منذ البداية، وهنا تظهر أهمية الخط الأول الذي افترضناه في حياة أي باحث ليس فقط الذي يعانون من تحديات مادية. فالعلم لن يتصل باحتياجات السوق إلا بمن هم ادرى بالعلم والسوق معًا، فيدخلون لحياتهم البحثية من أجل حل المشكلات التي تقابل مجتمعهم ويعلمون جيدًا أنهم اذا قاموا بإنتاج شيء ما فمن سيكون أول مَن يشتريه بالتالي تكون هناك قيمة سوقية للباحث والمنتج معًا.

فالفكرة هنا مع الخط المستقبلي الخاص بعملك كباحث في مسيرتك الأكاديمية، أن تستمر في العمل وتقوم بعمل توازن بينه وبين عملك في الشركة التي توظفت فيها، هذا كل ما عليك فعله في هذه المرحلة، حتى تصل لوقت تستغني فيه بالكامل عن عملك بسوق العمل عندما تتقدم في ترتيبك الوظيفي وعملك كأكاديمي مُخضرم ويغنيك ما تتحصل عليه عن راتب الشركة التي تعمل بها. كما أنك لا يجب أن تهمل تطوير نفسك على كلا الخطين، ففي الخط الأول تطور نفسك من النواحي المهنية في سوق العمل، والخط الثاني تقوم بتطوير بنفسك من النواحي الأكاديمية. وتستمر ثم تُصر، وطبعا بذلك تكون قد حققت المعادلة الصعبة من الاكتفاء المادي والعمل في الجانب الأكاديمي كذلك.

• موضوع ذا صلة: خمس أنواع لشركات التكنولوجيا الحيوية يجب أن تعرفهم

قرأت مقولة ذات يوم تقول «لو لم تعمل شئ تجني منه المال حتى وأنت نائم فستظل تعمل طوال عمرك من أجل أن تُلبي متطلبات حياتك»، وفي الحقيقة أنها مقولة واقعية جدًا فأي راتب مهما كان لن يُحقق لك الثراء مثلًا، سواء راتبك من سوق العمل أو راتبك كباحث. ومن هنا نوضح شيء في غاية الخطورة، وذلك لمن يُحب المخاطرة، آلا وهو اعتبار فكرة تأسيس مشروع أمر حتمي لابد منه، وبالطبع تأسيس مشروع ناجح أمر لن يحدث بتلك السهولة وانما يحتاج لخبرة كبيرة ستكتسبها على مدار سنوات طويلة. بالتالي لن نقول أن هذه الفكرة هي خط ثالث نريد أن نفترضه، فليس بعد الماضي سوى الحاضر والمستقبل. لكن بإمكاننا القول بأن هناك مستقبل قريب ومستقبل بعيد، فمحافظتك على مسيرتك الأكاديمية يضمن لك مستقبلك كأكاديمي وباحث بالرغم من محاولة الفرص في سوق العمل، إلا أن سوق العمل كما ذكرنا مرحلة مؤقتة، وعندما سترجع لحياتك الأكاديمية ستجد فراغًا ربما لن يملئه سوى مشروعك الخاص، بالتالي من الممكن أن نعتبر أنك تقوم ببناء نفسك على كلا الخطين من أجل تحضير نفسك كرائد أعمال علمي مُخضرم. وبتأسيسك لذلك المشروع وبعد نجاحه تكون قد حققت تلك المقولة مع أكبر المكاسب وأقل الخسائر.

بلا شك ستكون هناك تضحيات يجب دراستها من النواحي المعنوية والاجتماعية، ولكن العائد على المدى البعيد يستحق. وكل ذلك المجهود المبذول في أول الأمر فيما يخص الخطين الذين تحدثنا عنهم هدفهم هو تحقيق أهداف الاكتفاء الذاتي من الناحية المادية تعويضًا لضعف الدخل من العمل كأكاديمي شاب في بداية حياته العلمية. ثم سيعود عليك ذلك لاحقا بأمرين. الأمر الأول هو أنك قد حافظت على مسيرتك الأكاديمية كما كنت ترغب ومع تقدمك في مراحلك الأكاديمية سيكون دخلك أكبر بالتالي ستستغني عن العمل في السوق وتتفرغ للعلم (والاستغناء لا يعني الثراء، فقط راتبك أصبح يكفيك ومن تعول كما كان راتبك في سوق العمل يكفيك)، والأمر الثاني أنه سيكون لديك قدرة عملية على انشاء مشروعك الخاص بعدما تصل أيضًا لخبرة علمية ومعرفية تُعطيك القدرة على استحداث أفكار يقوم عليها مشروعك وهذا ما يُحقق الثراء فعليًا وبنفس الوقت لن تضطر كذلك للتخلي عن وضعك الأكاديمي لأن المشروع لك تضع له من وقتك ما يُناسب طبيعة عملك.

في النهاية أحب أن أقول أن العمل في بعض الأعمال التي قد لا تعود عليك بدخل لحظي، لا يعني ذلك أنها أعمال لا أهمية لها، وانما قد يغنيك عائدها المستقبلي بشكل أكبر مما تتخيل، لذلك بغض النظر عن كل كتبناه من افتراضات وحلول، أحرص دائمًا على أن لا تقتصر في حياتك على وظيفة واحدة، وانما حاول مع تلك الوظيفة أن يكون هناك خط -عمل- موازي لها سيعود عليك في المستقبل بعائد مادي تراكمي نتيجة للمجهود الذي وضعته فيه منذ البداية رغم قلة العائد حينها. فالعمل للحاضر فقط بما يكفي حاجة يومك ليس أمرًا منطقيًا في هذا الزمن مع تقلب الأحوال الاقتصادية. وهذا ما حاولنا تقديمه في تلك المقالة من خلال تطبيق ذلك المبدئ على الأكاديميين، ولكن مع تلك الكلمات الأخيرة يتبين أن المبدئ يصلح للتطبيق في حياة الجميع.