العلاقة بين التكنولوجيا الحيوية والبحث العلمي، البيوتكنولوجي والبحوث العلمية، البحوث النظرية والتطبيقية، الفرق بين الباحثين النظريين والتطبيقيين.
البحث العلمي و«التكنولوجيا الحيوية - Biotechnology»

• البحث العلمي و«التكنولوجيا الحيوية - Biotechnology»

يعتبر البحث العلمي من أحد المجالات المبني عليها حياتنا نحن البشر منذ قديم الأزل، فالحاجة أم الاختراع. هكذا قالها الأولين تلخيصًا لهذا النشاط الانساني المستمر في تحسين حياته نحو الأفضل من خلال إبداع طرق وأساليب جديدة يُحقق بها راحته ورفاهيته وأمنه وسلامه. حتى وصل الانسان إلى المرحلة التي استنفذ فيها جميع معارفه وعلومه التي جمعها عبر القرون والتي توصل من خلالها الي اختراع العديد من الاشياء. فإضطر أن يمد بِساط معرفته أكثر حتى يحقق من خلالها المزيد من الاكتشافات والاختراعات في سبيل جعل الأرض مكانًا أكثر ملائمة للحياة دون شقاء أو سابقة عناء. ذلك البِساط الذي ظهر أول آفاقه مع بدايات القرن التاسع عشر على يد أول من استخدموه من علماء النفس والاجتماع من أجل إدارة تجارب علمية أكثر تعقيدًا ودقة في المعطيات والنتائج على حدٍ سواء.

لقد أصبحنا في القرن الحادي عشر الآن نعيش ثورة حقيقية في البحوث العلمية من حيث تغير أهدافها وطبيعة إجرائها، فبعد أكثر من قرن على انهماك العلماء والباحثين في البحوث العلمية النظرية أصبحت حجم المعارف المتراكمة أكثر من هائلة، حتى تضائلت أمامها امكانية الاستفادة منها. ففي مقابل تراكم المعلومات والحقائق التي تم التوصل لها، مَنْ يقوم بالإستفادة من تلك المعلومات في صورة مشاريع من الممكن أن تمد يد العون لأكثر من سبعة مليارات انسان؟ من هنا بالإمكان القول أن هنالك الشرارة التي غيرت مجرى العلوم على الارض، فأنتقلت البشرية من الثورة العلمية إلى الثورة التكنولوجية.

ومصطلح الثورة التكنولوجية يُشير إلى التوجه العام نحو تحويل تلك المعارف النظرية التي استفادها البشر من الثورة العلمية إلى أدوات وتقنيات وخدمات ومنتجات يُمكن استخدامها والاستفادة منها بشكل عملي بين عامة الشعوب في كل بِقاع الأرض. بذلك يُمكن التغلب على تحديات التنمية المستدامة والأمن الغذائي والجفاف ونقص الموارد وغيرها من المشكلات العويصة التي تحاول البشرية تجاوزها اليوم على الساحة العالمية. تلك الثورة التي ظهرت بدايات ملامحها في أوائل القرن الحالي والتي كان من أبرز معالمها هذه الملحمة التي انتجت مشروع الجينوم البشري والذي أفرز بدورها مجالات تكنولوجية عديدة يُطلق عليها علوم المستقبل. تتربع على رأس تلك المجالات مجال التكنولوجيا الحيوية وتكنولوجيا النانو والمعلوماتية الحيوية الذين يتداخلون تقريبا في كل مجالات الحياة بلا استثناء بالرغم من انتمائهم بشكل أو بآخر للمعارف والعلوم البيولوجية خاصة مجالي التكنولوجيا والمعلوماتية الحيوية.

بالفعل تندمج تلك المعارف مع نظيراتها من مجالات هندسية ومعلوماتية أخرى، إلا أننا نرى بوضوح كيف أن المستقبل يتجه نحو الاستفادة من الثراوات الحيوية الموجودة على الأرض. فلابد وأن تبحث أيها القارئ عن «مشروع جينوم الأرض الحيوي - Earth Biogenome Project (EBP)» والذي سيكون القاطرة التي ستجر بوادر الثورة الصناعية الخامسة القائمة على «البيانات الحيوية - Biological Data» من أجل حل تلك المشاكل والتحديات التي تواجه البشرية اليوم مما ذكرنا بعضه في أول المقال.

الآن وقد ألقينا الضوء على مجال البحث العلمي وطبيعة التحول الذي يحدث فيه من ساعة نشأته وحتى الآن، بالتأكيد قد فهمنا أن هناك اختلافات طرأت بشكل أو بآخر على البحوث العلمية من أجل مواكبة تلك التغيرات والاتجاهات الثورية الجديدة. فعلى سبيل المثال، بدلًا من إجراء البحوث من أجل التوصل لمعلومة فقط أو أكتشاف لغرض الإكتشاف، أصبح إجراء البحوث العلمية يهدف بشكل أساسي لتطوير المنتجات والخدمات المختلفة التي قد تساهم في تحسين مستوى الحياة. من هنا انقسمت البحوث العلمية لنوعين الأول منها هو البحوث النظرية والثاني بحوث تطبيقية وقد جاء تعريفهما على نفس النسق بالترتيب السابق ذكره.

لكن دعونا نسأل السؤال المهم، وهو مَن المتخصص المسئول عن كل نوع من أنواع تلك البحوث، بالطبع يُمكن لأي باحث أن يتحرك بين شِقي البحث العلمي بحرية، إلا أن المتخصصون في البحوث التطبيقية بعصرنا الحالي هم مَن درسوا أحد المجالات التطبيقية أو التكنولوجية مثل التكنولوجيا الحيوية، بحيث يهتمون في بحوثهم على تسريع وتيرة التطوير من أجل إطلاق المنتجات والخدمات المختلفة، وذلك طبعا استكمالا لمجهودات مَن سبقوهم من الباحثين في البحوث النظرية. على جانب آخر فإن كل مَن درس علوم نظرية أو بحتة فتنحصر مهمته في البحوث النظرية ولا يجب أن ينشغل عن تلك المهمة طالما أنه اختار التفرغ لها. إلا أنه قد نرى في بعض الدول التي لا تتوفر بها رفاهية البحوث النظرية يدفعون الباحثين بإتجاه البحوث التطبيقية التي من شأنها دفع عجلة الاقتصاد للأمام، وهو الأمر الذي يجب تفهمه من قِبل الباحثين كذلك ليس فقط من أجل رفع مستوى الدولة الاقتصادي وانما كذلك لتشجيع الدولة ومتخذي القرار على الاستثمار بشكل أكبر في البحث العلمي ككل بجانبيه الاثنين. كذلك لابد من لفت النظر لأن الباحثين المتخصصين في مجال التكنولوجيا الحيوية هم أيضًا باحثون فيما يُدعى بـ «البحث العلمي متعدد المجالات - Multidisciplinary Scientific Research»، فعلى عكس الباحثون النظريون يقوم باحثو التكنولوجيا الحيوية بدمج العديد من المجالات والنقاط البحثية من أجل الوصول لهدفهم ما يجعل المُنتج النهائي أكثر قيمة وفعالية من النواحي الاقتصادية عند التنفيذ.

ما يجعل الأمر بالغ الأهمية من حيث معرفته وإدراكه، هو أن كثير من دارسي المجال لا يعلمون حقيقة وأهداف دراستهم، ما يجعلهم غائبين أو مُغيبين عن جوهر مجال التكنولوجيا الحيوية، لذلك لطالما أدعوا كل الزملاء بأن يكونوا على مستوى الحدث. حاول دائما أن تسعى نحو تحقيق تلك المفاهيم من خلال عملك البحثي أو مشروعك المستقبلي، لأن ما سيصنع مستقبلك ومستقبل هذا المجال في الوطن ككل هو اثبات مدى الفائدة التي من الممكن أن تعم على الجميع من أفكار يتم تطبيقها بالإستعانة بالمعرفة والأدوات الهائلة التي يوفرها مجال التكنولوجيا الحيوية.